شخصيات تحت المجهر

سلمان بن مطر.. صاحب المبرات وأبو الأرامل والأيتام

ت + ت - الحجم الطبيعي

ورد ذكره قديماً في «جريدة البحرين» للأديب عبدالله الزايد، وأيضاً في مؤلفات عدة، لكن الوحيد الذي أعد كتاباً عن سيرته وآثاره بالتفصيل هو الباحث بشار يوسف الحادي. ومن العمل البحثي المتقن للأخير نقتبس الكثير في حديثنا هنا عن صاحب الخيرات والمبرات وأبي الأرامل والأيتام الحاج سلمان بن حسين بن سلمان بن مطر (ت: 1944م).

تقول الروايات الشفاهية إن الجد الأكبر لعائلة «بن مطر» (سلمان بن مطر) هو من مواليد أواسط بلاد نجد، وإنه قدم إلى البحرين صغيراً برفقة عديله يحيى مؤسس عائلة اليحيى المحرقية، وإن الرجلين لابد وأنهما استقرا لمدة من الزمن في الأحساء قبل وصولهما للبحرين. والجزئية الأخيرة توصل إليها الحادي من خلال قرائن عدة، أهمها تعلق الأسرة بالأحساء وحرصها على إرسال الصدقات إلى أهلها وترميم مساجدها وحفر الآبار فيها ودعم مدارسها، ناهيك عن وجود مصاهرة بين الأسرة وأسرة أحسائية مهاجرة إلى البحرين منذ أوائل القرن 13 للهجرة، هي أسرة الشيخ راشد بن عيسى بن أحمد بن خميس.

ومما قيل أيضاً إن الجد سلمان بن مطر أثناء إقامته في الأحساء كان يتردد على البحرين فأعجب بأسواقها وخيراتها وازدهارها، وقرر أن يتخذها موطناً. وهكذا عاد ذات مرة إلى الهفوف من البحرين وأخذ أسرته وما خف حمله متجهاً صوب المحرق. وفي المحرق وجد أن العمل في التجارة هو أفضل ما يناسبه ويحقق له طموحاته، فاشترى لنفسه سفينة كي يجلب بواسطتها الأخشاب ومواد البناء من الهند. وفي الوقت نفسه أراد لابنه حسين المولود في نجد في حدود عام 1818م، والمتوفى في البحرين عام 1911م، أن يكون تاجراً مثله يعاونه في رحلاته التجارية ويقتسم معه الأرباح، فكان له ما أراد. إذ سرعان ما تفوق حسين على والده في تجارة الأخشاب والحبال ومواد البناء والغوص، بل وراح يخوض ميدان بيع اللؤلؤ في الهند ويتعرف على أربابه الكبار.

والمعروف أن حسين بن الحاج سلمان بن مطر اقترن في البحرين بعدد من النساء، ورزق منهن بالبنين والبنات كان أكبرهم ولداً أطلق عليه اسم أبيه سلمان. والمعروف أيضاً عن حسين أنه اشتهر بفعل الخير وكثرة الصدقات. وعن صفاته يقول الحادي نقلاً عمن عاصروه إنه كان «ذو خلق ونفس كبيرة عالية، وهمة في سبيل المجد والشماء، وغيرة على الحق والدين، وحمية صادقة على الآداب العامة والأخلاق، وميل خاص إلى معاضدة المشاريع النافعة في بلده وسواها، وشغف بمواساة البؤساء والمعوزين، تحفه الهيبة والوقار في غدوه ورواحه، ويجلله الهدوء والسكون في حركاته وسكناته».

أما ولده البكر (موضوع حديثنا) أي الحاج سلمان بن حسين بن سلمان بن مطر فقد ولد في المحرق سنة 1848م وتعلم القراءة والكتابة والحساب في كتاتيبها. ولأنه كان منذ نعومة أظفاره ذا ذكاء وفطنة، فقد حرص والده على تعليمه أصول البيع والشراء كي يكون عوناً له، ثم قام بتدريبه على فرز اللآلئ وتقييمها، وأدخله معه إلى السوق، قبل أن يعطيه بعض المال ليجرب حظه في التجارة مستقلاً. هنا يتكرر مع سلمان ما كان بين والده وجده. فنراه يستثمر رأسماله في استيراد وبيع الأخشاب والحبال ومواد البناء وصناعة السفن من الهند، إضافة إلى الإتجار في الأنواع المختلفة من التمور المستوردة من البصرة والقطيف والأحساء، كما نراه يدخل في تجارة اللؤلؤ الرائجة وقتذاك ويتعرف على أربابها الكبار في بمبي من أسرة الإبراهيم الكويتية. فكانت المحصلة تحقيقه لأرباح ضخمة دفعت والده الحاج حسين إلى الدخول معه في تجارته كشريك.

بعد وفاة والده توسع الحاج سلمان بن مطر في الاتجار باللؤلؤ، إذ تملك أسطولاً من سفن الغوص، واستعان بأفضل النواخذة المحليين، وكثرت أسفارة إلى بمبي من أجل بيع اللؤلؤ، وتوثقت علاقاته مع تجار اللؤلؤ الخليجيين من أمثال الحاج عبدالعزيز بن علي الإبراهيم في بمبي، والحاج محمد بن عبدالوهاب الفيحاني في دارين وغيرهما.

ومما لاشك فيه أن ثروته ــ وما رافقها من شهرة ــ معطوفة على خصاله الحميدة وسجله الناصع ونسبه الرفيع أدت إلى اضطلاعه بعدد من المسؤوليات والوظائف. وفي هذا السياق كتب الحادي: «كان الحاج سلمان أيضاً مستشاراً مقرباً لحاكم البحرين آنذاك الشيخ عيسى بن علي، ثم لخليفته الشيخ حمد بن عيسى، كما كان له دور مهم وبارز في حل المنازعات والخلافات بين القبائل والأسر والأفراد، وفي تثمين وتقسيم العقارات خصوصاً للورثة المتنازعين، كما كان من ضمن المستشارين لمستشار حكومة البحرين في الكشف عن اللؤلؤ الياباني الذي كان يــُهـّرب إلى البحرين، إضافة إلى عضويته في مجلس الإدارة الخيرية بمدرسة الهداية الخليفية».

ولذات الأسباب، منحت الحكومة البريطانية الحاج سلمان في يناير 1905م الجنسية الإنجليزية تقديراً لمكانته واعترافاً بنفوذه، فاحتفظ بها إلى جانب جنسيته البحرينية.

تزوج الحاج سلمان بأربع زوجات ورزق منهن بعدد من البنين والبنات. أولى زوجاته كانت فاطمة بنت الشيخ راشد بن عيسى بن أحمد بن خميس. والثانية من عائلة الخان، والثالثة من أسرة الفضل العربية النجدية المقيمة في الهند، والرابعة من أسرة نجيبي، فانجب منهن: إبراهيم وأحمد وعبدالعزيز، ولولوة ومنيرة ومريم وحصة وهيا.

أملاكه العقارية أكثر من أن تحصى وتعد. فمثلاً مزارعه وبساتين نخله كانت منتشرة في كل أنحاء البحرين، وأيضاً في القطيف ودارين وتاروت. ولذلك لم يكن غريباً أن تقدر ثروته بملايين الروبيات، بل أن الوثائق وإيصالات الديون المستحقة له بمئات الآلاف من الروبيات على آحاد الناس ما يؤكد هذا.

عــُرف عن الحاج سلمان اهتمامه بالزراعة بدليل أنه كان من أوائل من حرص على استيراد الشتلات والشجيرات من بلاد الهند لاستزراعها في البحرين. وفي هذا السياق عثر الباحث الحادي على رسالة مؤرخة في 5 أبريل 1927م موجهة من حسن بن عبدالرحمن الخان البستكي في بمبي إلى سلمان بن حسين بن مطر في البحرين، يقول فيها الأول للثاني إنه قد أرسل إليه مع «صالح بن هندي» عدداً من شجيرات المانجو من نوع حافوز ــ كلمة محرفة أصلها ألفونسو ــ وشجيرات البابايا، والسنطرة (اليوسفي)، والليمون، مضيفاً إنه لم يجد الجيد من أشجار الورد والرازجي كي يزوده بها. وهناك رسالة أخرى من عام 1938م موجهة من مستشار حكومة البحرين إلى الحاج سلمان يخبره فيها أن الحكومة قد جلبت أخصائياً في فن الزراعة من الهند، ويطلب منه أن يضرب موعداً لمقابلة الأخصائي كي يستفهم منه ما يريد.

ومن مآثر الحاج سلمان بن مطر الكثيرة بناء المساجد وترميمها، وتخصيص الدكاكين كوقف عليها، وتقديم الكسوة للفقراء من الرجال والنساء في مواسم الأعياد من خلال محلين في المحرق، وتوفير الأكفان للموتى من مواطنيه. ويــُذكر للحاج سلمان أيضاً أنه كان يطوف على بيوت الفرجان ويتفقد سكانها من الفقراء والأرامل والعجزة ويأمر لهم شتاءً بما يدفئهم من فرش وبطانيات بمعاونة موظفه إبراهيم الوردي.

وفي وثائق الأربعينات نجد ما يفيد أن الحاج سلمان كان يوزع يومياً على الفقراء ما بين 4 إلى 6 قلات من التمور. فإذا ما عرفنا أن القلة الواحدة تزن 25 كيلوغراماً، فإنه كان يزود مواطنيه الفقراء يومياً بحوالي 200 ـ 300 كغم من التمور.

طباعة Email