شراء الإجازات المتراكمة

ت + ت - الحجم الطبيعي

من الأمور التي تثير الريبة إصرار بعض الموظفين على عدم أخذ أي يوم إجازة. ‏ما يثير قلقنا هو الخشية من أن أحدهم يتعمد كتمان أمر يخشى أن يعرفه زملاؤه، خصوصاً في الإدارات الفنية كالمحاسبة وغيرها. كأن يغطي ورطة وقع فيها، أو ملفاً ما قد يدينه.

‏ولذلك جاءت القوانين أو اللوائح الداخلية ملزمة بأن يغيب الشخص أياماً محددة في العام عن المؤسسة، وذلك لاعتبارات صحية وتجديد النشاط وغيرها. والأهم من ذلك كله التأكد من أن النظام الإداري يسير على ما يرام ولا يرتكز على فرد بعينه. ففكرة «عمود الخيمة» غير صحية في العمل الجماعي، لأن بغياب هذا العمود (الموظف) أو ضعفه تنهار الخيمة (الإدارة).

‏فحينما يتولى فرد واحد مهام عديدة لا يعرف عنها الآخرون شيئاً هنا مكمن الخطورة، والأخطاء، والمخالفات، لأن العرف الإداري المؤسسي يقتضي ألا يحتفظ شخص واحد في معلومة يفترض أنها مشاعة. فكلما زاد عدد الأفراد الذين يتناوبون على مهام معينة ارتفعت نسبة العمل المؤسسي البعيد عن الفردانية ‏أو ما يسمى بالإنجليزية one-man show.

ولذلك تمنع الشركات ترحيل الإجازات إلى العام التالي التي تتجاوز عاماً أو عاماً ونصف العام مثلاً. وذلك لكي تجبر الناس على السفر أو الراحة والاستجمام.

في الكويت، استجدت مشكلة بسبب ‏جائحة كورونا، حيث اضطر المواطنون والمقيمون إلى عدم السفر لمدة عامين، وهو ما راكم رصيد الإجازات إلى أكثر من عامين، وبحسب قرار ديوان الخدمة المدنية القديم فإنه لا يحق للموظف ترحيل سوى عدد محدود من الإجازات، وكذلك الحال بالنسبة للشراء. فصار الآن في مقدور الموظفين شراء سنوات أكبر من الإجازات (بسبب تداعيات كورونا) وفق شروط محددة. غير أن المشكلة التي يهمني تسليط الضوء عليها أن معالجة الجهات العامة والخاصة للإجازات بسبب تداعيات كورونا بصورة مؤقتة أمر متوقع وبديهي، ‏لكن أن يستمر التوسع في فكرة شراء وترحيل الإجازات قد يؤدي إلى فقدان الإجازة أهميتها في النظام الإداري.

‏كما أن فكرة غياب مجموعة كبيرة من الموظفين في فترة الصيف تحتم مسألة حسن إدارة الأعمال، وتوزيعها بشكل يضمن انسيابية العمل، وتحقيق الأهداف المرجوة، بعبارة أخرى هو تمرين سريع على فكرة العمل المؤسسي في المؤسسة. ‏فكثير من المرؤوسين الموهوبين والمديرين وكبار القياديين لم يتم اكتشاف مواهبهم إلا عندما قررت الإدارة العليا تكليفهم بمهام محددة في غياب من غادروا في إجازة طويلة.

‏كما أثبتت بعض الدراسات أن الموظفين الأقل تعرضاً للإجهاد والضغوطات الوظيفية المستمرة تتحسن صحتهم بشكل جيد، ويحسن ذلك من تدهور إنتاجيتهم وحيويتهم وعطائهم المتفاني. ‏والموظفون في الواقع إن لم يجدوا إجازات فإنهم سيبحثون عن طرق ملتوية للغياب عن بيئة العمل عبر إجازات مرضية وهمية.

خلاصة الأمر، الإجازة ليست ملاذاً لراحة الموظفين فحسب، بل هي فكرة إدارية أصيلة لقياس مدى انسيابية العمل في ظل غياب من كانوا يوهموننا بأنه يصعب إنجاز المهام اليومية من دون وجودهم على رأس عملهم!

طباعة Email