نتائج على وقع الأزمة

ت + ت - الحجم الطبيعي

تثير الانتخابات في دولة أوروبية مركزية، مثل فرنسا، الكثير من الاهتمام في العالم، على نحو طبيعي. ولكن هذه العملية، التي أضحت الآن حدثاً سياسياً دولياً خارج الاهتمام العام، بوصفها انتخابات حسمت.

وباتت معروفة النتائج، لا تزال تمتلك بعض الإثارة لجهة تأويل معنى مجرياتها، ومغزى نتائجها.

في مجرياتها هذا العام يلفت أن الانتخابات الفرنسية أخرجت أوروبا عن تقاليدها؛ لقد دفعت بثلاثة رؤساء أوروبيين إلى «التدخل» في مجرياتها، والدعوة إلى انتخاب مرشح (إيمانويل ماكرون) دون سواه (ماري لوبان)، مع الإشارة إلى انهم يفضلونه لبرنامجه في الضد من برنامج منافسه، وذلك عبر مقال نشر في صحيفة وازنة، تصدر في باريس، وتتوجه إلى الفرنسيين، بلغتهم، وتملك التأثير على توجهاتهم، رغم كل ما في ذلك من حساسيات.

وفي عام غير هذا، كان ذلك سيعتبر تدخلاً سافراً في سيادة الدولة الفرنسية، وتعدياً على حريات مواطنيها السياسية، وخرقاً لالتزامات الدول الأوروبية، تجاه بعضها البعض، في الابتعاد عن التدخل في تحديد الخيارات الوطنية (المحلية).

وانطلاقاً من ذلك، يلفت النظر، أيضاً، أن هذه الانتخابات جرت هذا العام وفق معادلات مختلفة؛ لم تكن هذه انتخابات بين اليمين المحافظ الفرنسي الوطني (المحلي»، واليمين المحافظ الفرنسي «المتأربن» (من «أوروبا»). ولكنها:

- انتخابات تتحسب لحرب شاملة، ربما تكون «عالمية»، ولكن ليست «نووية». ولكن سنبقى متفائلين أنها ستظل متركزة في السجال السياسي، وتبقى ميدانياً محصورة في الميدان الأوكراني. بل وأن تنتهي في هذا الميدان أيضاً.

- وهذه الحرب الشاملة بمستوى «العالمية»، أو طابعها «النووي» المستبعد كثيراً، ستندلع، مرة أخرى، إن وقعت، في العالم الغربي، وعلى وجه التحديد في أوروبا (وبعيداً عن أمريكا).

- هذه الحرب، التي خلقت كل ذلك الضغط على الانتخابات الأمريكية، ستدفع روسيا إلى حسم جدلها التاريخي بشأن هويتها الحضارية (هل هي أوروبية أم شرقية). ومن الواضح أنها تستعمق الشعور برفض الغرب إزدواجية هويتها (أوروبية وشرقية، في نفس الوقت، ومعاً). ليس فقط أحساساً بالرفض الغربي للجزء الشرقي من هذه الهوية، بل وفي عدم قبوله هويتها الأوروبية غير الغربية.

- يلفت النظر أيضاً أن الطاقة (والغذاء كذلك، بالمناسبة) جزء من معضلات هذه الحرب. وفي هذه الحرب يجري الحديث عن الطاقة الروسية، تحديداً (الغاز وإمدادات نفط).

- يلفت ذلك النظر إلى الحاجة الأوروبية الكبيرة، غير الممكن تلبيتها محلياً، إلى هذه الثروات الطبيعية، ما يقود إلى إعادة تقييم شاملة لعوامل استقرار الاقتصاد الأوروبي، ومستقبليته، وحجم تأثره بالارتباطات الخارجية (ليس «الجوار ومورد الطاقة والحجم الديموغرافي والجغرافي والسياسي الروسي فقط، ولكن أيضاً بتكلفة القرار الأمريكي. وحجم ما تتكلف أوروبا، بناء على هذا «القرار» أو هذه «السياسة» من كلف تتعلق بالتدخل في بؤر التوتر في العالم.

البحث عن فرنسا

ولكن أين فرنسا من ذلك كله. لماذا تغيب فرنسا ومعادلاتها الدولية، من الحديث عن انتخاباتها «المفصلية»..؟

في الواقع، هذا مفهوم. فهذه الانتخابات ليست محلية، إنها قرار تموضع في واحد من معسكري حرب على بعد عشر خطوات؛ من المستبعد أن تكون نووية، لكن من المحتمل أن تكون عالمية تندلع في أوروبا ثم تنتشر إذا طالت أكثر من عام..

يحدث هذا لأن هنالك «تجاهلاً» تاماً لما تقوله روسيا وتؤكد عليه منذ نحو ثمانية وعشرين عاماً، أو «عدم تصديق» جدية الكلام الصادر عن موسكو،أو غياب الإحساس بالمسؤولية التاريخية، لدى بعض السياسيين.

الحقائق الضائعة

وعودة إلى الانتخابات الفرنسية التي يفشل كل مراقب ومحلل في الثبات على الحديث عنها، لجهة الانجرار إلى تناول الحدث الدولي الحاكم والمسيطر. الأزمة الدولية المعبر عنها بالميدان الأوكراني. وهنا، في الانتخابات الفرنسية، نستذكر بضع حقائق:

الأولى؛ أن ماكرون حقق في نجاحه الانتخابي أعلى نسبة حصل عليها رئيس فرنسي في الانتخابات، حتى أكثر من شارل ديغول الرئيس الذي بات اسمه رديفاً لفرنسا. ولكنه مع كل هذا «النجاح» أضعف وأبعد بكثير من أن يحصل على شعبية ديغول، ورمزيته الوطنية (الفرنسية) والأوروبية والعالمية، وكذلك حجمه السياسي والتاريخي.

ذلك يعني أن أثر ماكرون السياسي، مهما بدا حجمه الرئاسي، وبغض النظر عن صوته الأوروبي المرتفع، قليل التأثير في الاتجاه الأوروبي، وأن قدرته على صنع هدوء عالمي من خلال إعادة هيكلة المواقف الأوروبية، محدود للغاية. رغم التشجيع الروسي لدوره، وحرص موسكو على إعطائه دوراً في إطفاء فتيل أزمة أوكرانيا، التي هي بامتياز «أزمة استعصاء الصراع بين قوتين عظميين».

أثبتت الانتخابات الفرنسية أن الولايات المتحدة (لا ماكرون) هي العامل الحاسم في توجيه الموقف الناتووي، وأن الهوية الناتوية هي الأقوى في تحديد الموقف الاستراتيجي الأوروبي في المواقف الحاسمة والأزمات الدولية. وباختصار، ما زلنا نعيش في الشق الغربي من العالم لحظة القطف الأمريكي لنتائج الحرب العالمية الثانية. بل كسبت الولايات المتحدة، فوق ذلك، ثمار هذه الحرب في شرق ووسط أوروبا مع انهيار الاتحاد السوفييتي.

في «البريكسيت» البريطاني توضح أن لدينا في المنظومة الدولية جسمين غربيين يواجهان صعوية في السير جنياً إلى جنب، ولا يجدان صيغة للتوفيق بين مصالح أعضائهما، وتثقل عليهما قيادة الولايات المتحدة لأحدهما: «الناتو» والاتحاد الأوروبي». الانعطافات الأمريكية، وفضول واشنطن غير المحدود جغرافياً وسياسياً وأمنياً، يثقل جداً، ويعرقل الطموحات الأوروبية ممثلة بألمانيا، وبدول أوروبا الأضعف، وله أثر في فرض سلطة أمريكية غير مطلوبة على الاتحاد الأوروبي نفسه.

تمدد الناتو شرقاً (الذي يعتبر انتصاراً أمريكياً)، وضم دول أوروبا الشرقية إلى الناتو، عطل الرؤية الأوروبية الألمانية. والأسوأ، أن هذه الدول (بولندا ودول البلطيق الثلاث، وغيرها) هي، عملياً أصوات أمريكية، لا أوروبية. تصب في الناتو، ولا تعطي الاتحاد الأوروبي ما تأخذ منه.

تالياً، انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني أن الغرب نفسه، يواجه مشكلة مع نفسه وأعضاء مجتمعه. وهو قرر لنفسه أن هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، التي يواجه فيها انتهاء دورة نهوضه وضرورته الحضارية، وفق المفاهيم الـ«إبن خلدونية»، قرر نهائياً لنفسه أن أوروبا يجب أن تخضع لتوجه وقيادة انجلوسكسونية. وهذا يشبه قرار تحوط أو تخطيط لحرب.

ولكن مرة أخرى يطرح السؤال: أين الانتخابات الفرنسية من كل هذه الحسابات؟ ولماذا سرعان ما يتجاوزها الحديث، وتغيب عن البال وراء الكثير من المعطيات التي تتجاوز حتى فرنسا نفسها؟. ببساطة، لأن مضامينها فُقدت، وتراجعت أهمية برامجها المحلية، في الصندوق الانتخابي. ولم تعط في نتائجها أو مجرياتها مؤشرات حول الحراك السياسي الفرنسي الداخلي، أو عن خيارات الشارع الفرنسي، بقدر ما أعطت إشارات على أن أوروبا «الناتوية» (1) أشد ثباتاً من أوروبا «الاتحادية»، (2) وأن هذه الـ«أوروبا» محتجزة في منطقة العجز، وغير قادرة على تقديم رؤية غير أمريكية لمستقبل العالم. (3) أنها تعيش أزمة على مستوى النخب والقيادات السياسية، التي يمكنها تحفل قوة العامل الأمريكي في الحفاظ على مستقبلها السياسي، أكثر من تقديرها لأهمية الوفاء للمصالح الأوروبية في ذات المجال.

محطة ثانية في الانتخابات الفرنسية تتعلق بإجرائها على وقع الأزمة الأوكرانية. وهذا يقودنا إلى اتهام المرشحة اليمينة المحافظة (ماري لوبان) بلقائها بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وعملياً اعتبارها مرشحة مناسبة لروسيا. ربما تكون كذلك، ولكن هل خسرت روسيا بنجاح المرشح من اليمين «اللامع» (إيمانويل ماكرون)؟.

لا. لقد استنفد ماكرون كل فرصه، واستخدم كل أوراقه، ورمى بكل احجار النرد التي في يده، ولم يعد لديه شيء يقدمه سوى التماهي مع الطروحات الروسية بشأن أوروبا («فرنسا قوية وأوروبا أقوى»). ولكن يجب تذكر أن معنى ذلك بـ«اللغة السياسية» الروسية «أوروبا غير أمريكية». وهذا ما ليس ماكرون بالقوة اللازمة للدعوة إليه صراحة، وسيبقى يتحرك في الوساطة في شأن الأزمة الأوكرانية، وهو يعلم أنه لا يؤثر هنا، أكثر من صندوق بريد بين «الأمريكي» و«الروسي».

ويبدو أن فرنسا باتت مرشحة لأن تشهد حالة نادرة، تتمثل في انتهاء مدة ثانية لرئيس قبل موعدها، على الأقل بالمعنى السياسي. لأن اليمين المحافظ الفرنسي أكثر انسجاماً في طروحاته مع مطالب جمهوره، خلافاً ليمين الرئيس ماكرون، الذي تتناقض سياساته مع الحاجات الأساسية لناخبيه.

ولأن فرنسا، على ما يبدو، قالت قبل وأثناء وبعد هذه الانتخابات: «إلى اليمين در!». وفي الفرق ما بين يمين فعلي، بمؤثرات قومية. ويمين يلعب في الهامش الأمريكي، النتائج الفرنسية واضحة.

فكرة قاتلة

الفكرة الحاسمة التي جاءت بها هذه الانتخابات، هي معطى قاتل سياسياً، ويمكنه أن ينهي وجود امتدادات ماكرون السياسية، والتيار الذي تم اصطناعه وخلقه في الواقع الفرنسي لانتاج ماكرون رئيساً.

هذا ما تعبر عنه حقيقة أن «نسبة» ماكرون الانتخابية مهما عبرت عن حجم نجاح سياسي، إلا أنها تعبر في الأساس عن مستوى هشاشة الديمقراطية الأوروبية، وانحدارها من ذلك المستوى الذي كانت عليه حينما كان الجنرال شارل ديغول، بكل سمعته الوطنية (الفرنسية) في قيادة عمليات تحرير فرنسا، إلى ما وصلت عليه هذه الديمقراطية في يومنا هذا، الذي لم تعد فرنسا تنتخب رئيسها فيه دون إشارات خارجية.

والمعنى الأشد قوة هو أن فرنسا في هذه الانتخابات تتصرف لا شعورياً، وتتموضع لا إرادياً، بوعي غير مدرك أنها يجب أن تنحاز في حرب، وتتحسب لحرب شاملة، ربما تكون «عالمية»، ولكن ليست «نووية». ولكنها بعيدة عن قرار الحرب، وأبعد عن إنتاج قرار السلم.

طباعة Email