في منع الهدر حياة

ت + ت - الحجم الطبيعي

هدر الطعام مشكلة مزمنة. صحيح أن الضوء يسلط عليها في شهر رمضان من كل عام، حيث مناشدات عدم الهدر ومطالبات النظر بعين الاعتبار إلى الأقل حظاً، إلا أنها مشكلة مستمرة. ويخبرنا «برنامج الأغذية العالمي» (فاو) أن نحو ثلث الغذاء المنتج للاستهلاك الآدمي يتم هدره أو فقده، بخسارة مالية تقدر بنحو تريليون دولار أمريكي سنوياً! وعلى الرغم من أن العالم ينتج غذاءً يكفي لإطعام سبعة مليارات شخص، إلا أن 811 مليون شخص ينامون كل ليلة وهم جوعى.

يظن البعض أن هدر الطعام مشكلة تقتصر على دول العالم المتقدم، لكنها تتعلق بالجميع، وإن كانت خصوصية الهدر في العالم المتقدم تنبع من أنه يتخلص من الغذاء الزائد في مدافن النفايات التي تنتج الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهو ما يتسبب في انبعاث ما يزيد على ثلاثة مليارات طن من هذه الغازات سنوياً. وتضيق الحلقة وتستحكم حيث هذه الغازات هي العامل الرئيسي في حدوث المشكلات المناخية التي نعاني منها الأمرين، حيث موارد المياه تتأثر، والتصحر والجفاف يزيدان، وتتقلص القدرة على التنبؤ بالظواهر الجوية ما يفاقم الخسائر. والنتيجة تلف الزراعات وزيادة نسب الجوع في العالم.

هدر الطعام مشكلة وزنها مليار طن تقريباً. ويأتي الهدر الأكبر من البيوت، وتليه خدمات الطعام من فنادق ومطاعم وغيرها، ثم قطاعات التجزئة، وذلك بحسب مؤشر نفايات الطعام الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في عام 2021. المفارقة الصادمة هي أن الجوع يودي بحياة 11 شخصاً كل دقيقة! وبلغة الأرقام، فإن نصيب كل فرد من بقايا الطعام، بمن في ذلك من يموتون من الجوع، هو 74 كيلوغراماً سنوياً.

وعالمنا العربي ليس استثناءً. فلدينا الكثير من الهدر، ولدينا كذلك مشكلات كبرى فيما يتعلق بكمية الغذاء المتوفرة للأفراد ونوعيته أيضاً. فنصيب الفرد من الإهدار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يبلغ 250 كيلوغراماً سنوياً، متفوقاً بذلك على الأوروبي (95 كيلوغراماً) والأمريكي (115 كيلوغراماً). هذه الكيلوغرامات المهدرة، لا سيما في منطقة تعاني دول عدة فيها مغبة الفقر والصراع ينجم عنها آثار اجتماعية واقتصادية وبيئية بالغة الفداحة. من جهة أخرى، كشفت مراجعة سلوكيات أجراها المكتب الإقليمي لغرب آسيا لـ«برنامج الأمم المتحدة للبيئة» أن الطعام المعد خلال شهر رمضان يُهدر بنسبة تتراوح بين 25 و50 في المئة!

هذا الإهدار لا ينبغي أن يستمر. والموت جوعاً لا ينبغي أن يستمر. وأمراض سوء التغذية التي تصيب ملايين الأطفال لا يجب أن تستمر، لا سيما وأنه رغم وجود الداء، إلا أن الدواء أيضاً موجود. وكان من شأن الوباء الذي أطل علينا قبل عامين أن يسلط مزيداً من الضوء على عدم منطقية استمرارانا في هدر الطعام. فمن غير المنطقي أن نجد أنفسنا معرضين لنقص في توريد المواد الغذائية الرئيسية أو ارتفاع أسعارها بسبب ظرف وبائي ضرب الكوكب كله، ونستمر في الإهدار. وجاءت الأزمة الأوكرانية لتذكرنا بأن بدء التعافي من آثار الوباء الوخيمة لا يعني أبداً أننا في مأمن. وبالإضافة إلى كل ما سبق، فإن لا أخلاق أو دين أو منطق يقبل بهدر طعام يموت بسبب شحه آخرون.

حكومات عدة في المنطقة العربية بدأت تبذل جهوداً لوقف هذا الهدر بطرق شتى، ومنها من تعهد بخفض الهدر إلى النصف مع حلول عام 2030. وعلى الرغم من أن المواطن العربي اعتاد ظهور حملات التوعية بضرورة ترشيد الاستهلاك في الطعام ومعالجة أوجه الهدر بين الحين والآخر، إلا أنها كما تظهر فجأة في المواسم والأعياد تختفي. لكن هذه المرة، الأجواء مختلفة في العديد من الدول العربية.

فمثلاً في الإمارات، أعلن «بنك الإمارات للطعام» تحقيق حملة «مليون وجبة من فائض الطعام» خلال أسبوعين فقط. هذه الحملة الرائعة نجحت في توفير ما يزيد على مليون وجبة عبر عمل جماعي ضم العديد من الشركاء. والنجاح لن يتوقف عند حاجز المليون، بل يمضي قدماً صوب المليار، وتحديداً «مبادرة المليار وجبة» التي تنظمها «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية» لتقديم الدعم الغذائي للأقل حظاً، ليس في الإمارات فقط بل في ما يزيد على 50 دولة فيها ملايين المتضررين من الفقراء والأطفال واللاجئين والنازحين والفئات الضعيفة.

وفي مصر، هناك مشروع قانون لمكافحة هدر الطعام وتشجيع إعادة توزيعه وتدويره والتبرع به. وهو مشروع يرتكز على خبرة طويلة في إعادة توزيع الطعام الفائض من الفنادق والمطاعم لملايين الأسر على مدار سنوات، وذلك عبر جمعيات خيرية وعمل تطوعي رائع.

الحد من الفاقد لم يعد اختياراً. هو ضرورة حتمية ومسؤولية أخلاقية، وفيه حياة.

طباعة Email