واقع الاقتصاد الرقمي

ت + ت - الحجم الطبيعي

قبل سنوات، سادت مخاوف لدى كثيرين من هذه البطاقات البلاستيكية العجيبة التي قيل إنها تحل محل أوراق البنكنوت والعملات المعدنية. مقاومة شرسة ورفض عتيد قوبلت بهما هذه البطاقات التي تحولت إلى ساكن رئيسي في محافظ ملايين البشر. لم تعد البطاقة البلاستيكية تفرق بين عامل بسيط لا يملك سوى راتبه الذي يتقاضاه عبر هذه البطاقة، أو بين رجال أعمال يمتلكون عشرات البطاقات التي تتيح لهم التعامل على أموالهم المليونية وربما المليارية.

لم تعد مقاومة البلاستيك سيدة الموقف، كما لم يعد مستخدموها غارقين في مخاوفهم. باتت مفهومة، والغاية منها واضحة، وسبل الحفاظ عليها وتجنب ألاعيب الاحتيال تعرفها الغالبية.

الغالبية اليوم في حيرة من أمرها وهي تتابع تسارع وتيرة إجراءات التحول للاقتصاد الرقمي. صحيح أن المخاوف قليلة، وذلك في ضوء تسلل الرقمنة إلى تفاصيل حياة الجميع بقدر أو بآخر، لكن الحديث عن التحول صوب الاقتصاد الرقمي يسبب قدراً من القلق، ربما بسبب غموض المعنى.

لكن حين يقبع المعنى وترجمته الحرفية في تفاصيل حياة الناس، فهذا من شأنه أن يسهم في تعبيد الطريق أمام هذا التحول الذي إن لم يحدث اليوم، فهو حادث غداً لا محالة. ملايين الأشخاص الذي باتوا يعتمدون في تحويل المبالغ المالية واستلامها ودفع فواتير الغاز والكهرباء والماء واشتراك المواصلات العامة وغيرها عبر تطبيقات الهواتف المحمولة هم أنفسهم أحد أعمدة الاقتصاد الرقمي.

وكون القاعدة العريضة من المواطنين في دولة ما ضالعة في الاقتصاد الرقمي، ولو لم تدرك ذلك، يعني أن عملية التحول باتت قريبة، أو بالأحرى تحدث الآن، كما يعني ذلك أن التحول صوب الاقتصاد الرقمي لا يعني إغلاق أو هدم أو تفتيت الاقتصاد القائم وإعادة بناء اقتصاد بديل، فالهدم والإنهاء يثيران الهلع ويسببان الفزع، وهذا أمر مفهوم.

التحول للاقتصاد الرقمي ليس هدماً، بل بناء، وهو ليس خياراً بل هو أمر واقع، والأهم من ذلك أنه، حال تطبيقه بشكل سليم واتباع إجراءات الحماية اللازمة، فإنه قادر على إحداث نقلة حقيقية نحو الأفضل لسكان المنطقة العربية دون استثناء. التقرير الصادر عن البنك الدولي قبل أيام قليلة تحت عنوان «إيجابيات التكنولوجيا الرقمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» يشير إلى أن الرقمنة الكاملة للاقتصاد قادرة على رفع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي بنسبة لا تقل عن 46 في المئة على مدى 30 عاماً. نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فريد بلحاج يؤكد أن المكاسب المتوقعة من التحول للاقتصاد الرقمي هائلة، وكلما حدث ذلك سريعاً زادت المكاسب، فالاقتصاد الرقمي من شأنه أن يوفر فرص عمل في منطقة تعاني الأمرّين من البطالة، وهو قادر على زيادة معدلات مشاركة النساء في القوى العاملة في منطقتنا التي تعاني أيضاً فجوة شاسعة على هذا الصعيد، وهو ما سينتج عنه مكاسب اجتماعية واقتصادية لا حصر لها.

لكن علينا كذلك أن نعي أن التحول للاقتصاد الرقمي ليس منزوع العوائق، فهناك أزمة ثقة بين قواعد المواطنين في العديد من الدول العربية من جهة وبين المؤسسات الحكومية من جهة أخرى. كما أن الإجراءات الروتينية والبيروقراطية المكبلة والمعرقلة ما زالت سائدة. عموماً، هذه مشكلات قابلة للحل، وبناء الثقة لا يحتاج إلى حجة وبرهان، والبيروقراطية لا تستوجب سوى نظام مرن كفء يحطم أصنامها.

والمؤشرات العربية تقول إننا نسير على الطريق الصحيح، فمثلاً، قبل أيام دشنت الإمارات «مجلس الاقتصاد الرقمي» الذي يدعم مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة لتعزيز تنفيذ مبادرات استراتيجية الاقتصاد الرقمي في كل القطاعات الاقتصادية، وهذا ليس بغريب على الإمارات التي هي ضمن أفضل دول العالم في المؤشرات العالمية الرقمية. والحقيقة أن الإمارات أيقنت أهمية الاقتصاد الرقمي قبل سنوات طويلة ومضت قدماً محققة أرضية صلبة تقف عليها قطاعات الدولة الآن في هذا الشأن، وما يعنيه ذلك من تعزيز فرص الاستثمار ومستويات المعيشة ودعم الدولة أثناء جائحة كورونا.

كما تمضي مصر قدماً في المسار نفسه، ومؤشرات التحول أيضاً كثيرة. ويكفي أن شركة «إي فاينانس»، أحد عمالقة التكنولوجيا المالية، تهيمن على القطاع المالي الحكومي بشكل شبه كامل حتى أصبحت بمثابة الذراع التكنولوجية القوية والمرنة في الوقت نفسه للدولة.

المؤشرات الدولية تقول إنه لم يعد في إمكان المنطقة العربية أن تبقي نفسها بعيدة عن الاقتصاد الرقمي. وحان الوقت لتجني المنطقة العربية ثمار مميزاتها من قدرات بشرية وكتلة شبابية متعلمة وموارد طبيعية وموقع جغرافي ومكانة استراتيجية عبر التحول للاقتصاد الرقمي حتى نحقق التحول المطلوب في مجتمعاتنا، الذي تأخر كثيراً.

 

*كاتبة صحافية مصرية

طباعة Email