شخصيات تحت المجهر

بدر خالد الخليفة.. أول خليجي ينال دكتوراه البصمة الوراثية

ت + ت - الحجم الطبيعي

باكتشاف البريطاني أليك جيفريز في عام 1985، البصمة الوراثية (DNA)، دخل التاريخ من أوسع الأبواب، وصار اكتشافه هو الأكثر والأسرع تطبيقاً في العالم، بل أحد أهم الوسائل المستخدمة اليوم في التعرف إلى هوية الجثث والقتلى والمجرمين والمفقودين من ضحايا الحروب.

تفتخر دولة الإمارات بابنها الرائد الدكتور راشد حمدان الغافري، كونه طوّر «البصمة الوراثية الذكورية»، التي باتت معتمدة في المختبرات الجنائية العالمية، خصوصاً عند التحقيق في قضايا الاعتداءات الجنسية والاغتصاب، علماً بأن الغافري حصل على براءة اكتشافه هذا من مكتب الملكية الفكرية البريطاني، وتم تسجيل الاكتشاف باسمه في جامعة لانكشير، ونشره في عدد من المجلات العلمية المتخصصة. كما تم تكريمه لهذا السبب بميدالية فضية، من قبل رئيس منظمة الابتكار في كوريا الجنوبية عام 2019، ناهيك عن تكريمه ضمن أوائل الإمارات عام 2014.

أما الكويت، فتفتخر بابنها الدكتور بدر خالد عبد اللطيف الخليفة، كونه أول كويتي ينال درجة الدكتوراه في البصمة الوراثية، وهو ما جعله معروفا باسم «الأب الروحي للبصمة الوراثية والأدلة الجنائية في الكويت».

ولد الخليفة بمنطقة المرقاب سنة 1952، ابناً لعائلة كريمة مقتدرة مادياً. وبحسب موقع تاريخ الكويت الإلكتروني، استوطنت عائلة الخليفة الكويت منذ أواسط القرن 13 الهجري، قادمة من موطنها الأصلي في المبرز بالأحساء، فسكنت بمنطقة الوسط فمنطقة المرقاب، قبل أن تنتقل في عام 1962 إلى منطقة الخالدية.

أكمل الخليفة مراحل دراسته النظامية بمدارس الكويت، ثم سافر إلى القاهرة في مطلع السبعينيات لمواصلة تعليمه الجامعي بكلية العلوم التابعة لجامعة القاهرة، في تخصص الكيمياء والحيوان. وبحصوله على درجة البكالوريوس عام 1976، عاد إلى الكويت، ليبدأ مشواره الوظيفي، حيث حدثت نقطة التحول الأولى والأهم في حياته.

بسبب نشاطه السياسي إبان مرحلته القاهرية، من خلال فعاليات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، توقع الكثيرون أن يدخل الخليفة المعترك الانتخابي، ليصبح نائباً في مجلس الأمة، غير أن ما حدث، هو تحوله للحياة العسكرية، وبالتالي، امتناعه عن الاشتغال بالسياسة، لأن القانون يحظر ذلك على العسكريين. ومختصر القصة، أنه كغيره من العائدين من دراستهم الجامعية في الخارج، واجه تحدياً لجهة اختيار العمل المناسب، لكنه صادف أن مرّ ذات يوم أمام مبنى المعمل الجنائي والطب الشرعي بوزارة الداخلية، فشعر أن ذلك المكان هو الأنسب له لتحقيق ذاته وخدمة بلده. وبالفعل، دخل المبنى وقابل المسؤولين الذين رحبوا بتوظيفه فوراً.

في ذلك المكان، أمضى ثلاث سنوات، كان خلالها متردداً بين مواصلة العمل أو البحث عن بديل، إلى أن حدثت نقطة التحول الثانية في حياته، وذلك حينما ابتعثته جهة عمله إلى المختبر الجنائي البريطاني بجامعة برمنغهام، من أجل استكمال التدريب، وتحضير البرنامج التمهيدي لنيل درجة الماجستير، وهو البرنامج الذي أتمه بالفعل عام 1978. وعن هذا المنعطف من مسيرته التعليمية، قال إنه في بريطانيا بدأ يفهم جيداً معنى الأدلة الجنائية وعالمها الواسع، ما جعله يقرر البقاء في وظيفته، واستكمال دراساته العليا بحماس، بل دفعه أيضاً إلى التحول من موظف مدني إلى موظف عسكري بوزارة الداخلية.

ثم جاءت نقطة التحول الثالثة في حياته، بانتقاله من برمنغهام إلى غلاسغو (إسكتلندا)، لتحضير رسالة الدكتوراه بجامعة ستراث كلايد، حيث واجه تحدياً، تمثل في اختيار موضوع الرسالة. فآنذاك، لم يكن علم البصمة الوراثية قد ظهر بعد، ما جعله يختار مكافحة المخدرات من الناحية العلمية موضوعاً لبحثه. وأثناء اشتغاله على الدكتوراه، بدأ علم البصمة الوراثية في الظهور، فتساءل، لماذا لا يستخدم هذا العلم الجديد في بحثه؟. وحينما عرض الفكرة على أساتذته، رحبوا بها، وشجعوه عليها، مع لفت نظره إلى قلة المراجع المتوفرة، ما شكل له تحدياً جديداً، معطوفاً على تحدٍ آخر، تمثل في احتمال عدم موافقة جهة الابتعاث على فكرته، بسبب عدم وجود تطبيقات عملية للبصمة الوراثية في الكويت وقتذاك. لكن الرجل شق طريقه، إلى أن نال درجة الدكتوراه عام 1989، ودخل بالتالي التاريخ، كأول مواطن كويتي يحصل على الدكتوراه في علم البصمة الوراثية.

وتشاء الأقدار أن تتزامن عودته إلى وطنه، مع حدوث الغزو العراقي للكويت، الأمر الذي عطل مسيرته وطموحاته الوظيفية، وبدل أولوياته. وهكذا فـُرض عليه أن يبقى داخل الكويت خلال أشهر الاحتلال. وحينما تحررت الكويت، وجد أن الغزو العراقي خدمه على صعيد تحقيق بعض من طموحاته. إذ تم اختياره مستشاراً في اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى والمفقودين، خصوصاً أن دراسة البصمة الوراثية، كانت ذات أهمية قصوى لجهة التعرف إلى من تمّ أسرهم أو فقدوا.

وبقدر ما واجه تحديات في مشواره الدراسي، فإنه واجه مثلها في مشواره الوظيفي. فقد واجهته أولاً مشكلة تحديد الجهة الرسمية التي تتبعها البصمة الوراثية، إلى أن تمّ الاتفاق على أن تتبع وزارة الداخلية، وتقدم خدماتها لمختلف الجهات الأخرى. وحينما أراد تطبيق استخدام البصمة الوراثية في دعاوى النسب، ووجه بمن يقول إن ذلك ضد الشرع. يقول الخليفة حول هذه الإشكالية: «استطعنا الرد عليهم بهدوء، انطلاقاً من الحديث الشريف أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وأقنعتُ المختلفين أن البصمة الوراثية تحدد فقط الابن البيولوجي، ولكم أنتم مسألة تحديد الابن الشرعي من عدمه، فتفهموا، وآمنوا بضرورة وأهمية استخدام البصمة الوراثية في دعاوى النسب، على ألا نتطرق للابن الشرعي». وعندما أرادت الحكومة تطبيق البصمة الوراثية، للتعرف إلى الأسرى والمفقودين جراء الغزو العراقي، كانت الإشكالية متمثلة في عدم وجود قاعدة بيانات جاهزة لكل هؤلاء، فقام الخليفة وزملاؤه بتجهيز قاعدة البيانات هذه، قبل الذهاب إلى العراق للبحث. وهكذا، وجد أن ما تحقق من نجاحات من خلال تطبيقات البصمة الوراثية، شجع وزارة الداخلية الكويتية على استخدامها في قضايا عديدة أخرى، فقد طبقت للتعرف إلى الضحايا المتفحمين من جراء حريق خيمة عرس الجهراء عام 2009، وضحايا تفجير مسجد الإمام الصادق عام 2015.

تـُذكر للرجل ثلاث مآثر أخرى: قيامه بتدريس «الأدلة الجنائية» كمادة لطلبة الحقوق بجامعة الكويت، تزويد المكتبة العربية بأربعة مؤلفات قيمة في مجال تخصصه، قيامه بعد تقاعده من العمل الحكومي سنة 2003، بالمشاركة مع آخرين بإنشاء أول كلية قانون خاصة في الكويت.

طباعة Email