انفكاك النظام الإقليمي عن النظام العالمي

ت + ت - الحجم الطبيعي

هناك ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية بدأت تتبلور وبادية للعيان. هذه الظاهرة تتمثل في بداية انعتاق النظام الإقليمي عن النظام الدولي.

والأسباب متعددة لهذه الظاهرة الجديدة بعد ما يزيد على قرن من الزمن توغلت القوى الدولية في المنطقة وأصبحت أكثر تحكماً في مصيرها.

السبب الأول أن النظام العالمي يمر بمرحلة ممكن أن نطلق عليها مرحلة انتقالية لا يسيطر عليها قطب معين، بل أن أحادية القطب في سبيلها للانتهاء الحتمي. وقد ندخل في مرحلة لا قطبية في النظام العالمي أو متعدد الأقطاب. وقد أعطى هذه الحالة نوعاً من حرية الحركة بالنسبة للقوى الإقليمية.

السبب الثاني يعود إلى الظواهر الشعبوية والتي لاحت برأسها في مركز النظام العالمي سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة. وقد تحدت هذه الحركات الشعبوية النظام السائد ليس في بلدانهم وحسب، بل النظام الليبرالي العالمي الذي أدى إلى انحدار شديد في مستوى معيشة المواطنين في هذه الدول.

وقد استغلت هذه التيارات الوضع الاقتصادي لقطاعات كبيرة من شعوبها واستطاعت أن تحقق نجاحات انتخابية في عدة بلدان. حتى في أعتى الديمقراطيات الغربية، هناك قلق حقيقي أن تفوز مارين لوبان، مرشحة الجبهة الوطنية اليمنية، في الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

وهذه التيارات تنادي بالنأي عن الانخراط في الشأن الدولي، وأن الأوطان أحق بالمساعدة؛ وتعادي كل مهاجر أو غريب في أرضها. وقد أدت هذه التطورات إلى اعتماد إقليم الشرق الأوسط على قوته الذاتية وتطوير تحالفات لمواجهة الهموم الأمنية المتعددة في المنطقة. كما أن الإقليم بدا ينحو نحو مختلف عن التوجهات الدولية.

والسبب الأخير هو الجائحة التي ابتليت بها دول العالم. رغم أن الجائحة مدعاة للتعاون الدولي.

حيث إن الفيروس لا يفرق بين الدول أو الجنسيات أو أجناس البشر، إلا أن الفرصة فوتت لإعادة صياغة نظام عالمي يواجه الكوارث التي يواجهها. والسبب يعود إلى الرئيس السابق دونالد ترامب والذي ما انفك يكذب خطورة الجائحة وانعدام الرغبة للسعي لإيجاد إطار دولي لمواجهة الوباء. وإمعاناً في هذا الصلف، انسحب من منظمة الصحة العالمية والجائحة في أوجها. وأصبح لزاماً أن تسعى الدول لمواجهة الوباء بقدراتها الذاتية.

وليس هناك أدل من انعتاق الإقليم من النظام العالمي مثل الاتجاه المعاكس الذي يسير فيها النظامان. فالنظام العالمي يجنح اليوم نحو استقطاب كبير. ولا يمر يوم إلا وتسمع فيه حتمية المواجهة بين أقطاب العالم، وما الحرب الجارية في شرق أوروبا إلا مثال ساطع عن هذه التوقعات المأساوية.

ونرى أن الإقليم يجنح نحو التصالح بين دوله والتعاون لتحقيق مصالح دول المنطقة، وخاصة لجهة التعافي من آثار الجائحة. وقد شرعت دول الخليج إلى تصفية خلافاتها وتحقيق لحمة بين أبناء المنطقة بعد إعلان العلاء في المملكة العربية السعودية، وعادت المياه إلى مجاريها الطبيعية.

وقد رأينا التحسن الكبير في العلاقات التركية مع دول الخليج وخاصة الإمارات والسعودية. وقد أعلنت الأولى عن استثمارات كبيرة في تركيا. وتوجت هذا التوجه بزيارات على أعلى مستوى من الجانبين. وعلى نفس المنوال بدأ الدفء يعود للعلاقات الخليجية مع طهران. وهناك حوار جدي بين السعودية وإيران في بغداد برعاية عراقية.

ويبدو أن اليمنيين في سبيلهم للملمة الجراح وما الحوار في الرياض بين أطراف يمنية عديدة إلا مؤشر إيجابي على هذا الاتجاه الذي طال انتظاره. وقد استبشرت المنطقة والشعب اليمني بوقف إطلاق النار في اليمن حتى يستتب الاستقرار والتوصل إلى حل دائم بين أبناء الوطن الواحد.

وتحاول دول عربية—خاصة الإمارات—إعادة تأهيل سوريا وإعادة دمشق إلى حاضنتها العربية وإيجاد تسوية للحرب السورية، والتي استمرت أكثر من عقد من الزمن. وقد يكون لهذه المصالح الوطنية والعربية نتائج إيجابية على المشهد السياسي الإقليمي وعلى وقف حمام الدم في سوريا.

أما لبنان المكلوم من أبنائه ومن التدخلات الخارجية، يتجه باتجاه الإقليم في تسوية قد تعينه على الوقوف على أرجله المتعددة. والمصالحة الخليجية وعودة السفراء لدول الخليج بادرة مشجعة نحو تعافي لبنان السياسي والاقتصادي.

مازالت هناك ملفات ساخنة تستغيث لحل عقدها، وهذه فرصة كبيرة لأخذ زمام المبادرة من قبل أبناء المنطقة لحل مشاكلهم بأنفسهم. وقد قيل قديماً أهل مكة أدرى بشعابها.

* كاتب وأكاديمي

 

طباعة Email