عالم عربي أكثر واقعية

ت + ت - الحجم الطبيعي

يحاول البعض في دوائر بحثية وصنع قرار ومنصات إعلامية غربية كبرى أن يشيع فكرة انقسام العرب حول الحرب الروسية الأوكرانية.

وعلى الرغم من الخبرات التاريخية والاستراتيجية والسياسية والاقتصادية الكبرى في تلك الدوائر والمنصات، إلا أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع دول المنطقة العربية باعتبارها كتلة واحدة يُتوقع منها أن تتخذ مواقف متشابهة، وتتبنى قرارات متطابقة، وتنظر إلى مصالحها وتوازناتها باعتبارها واحدة لا ثاني لها، وهذا تعامل سطحي واستعلائي.

والمسألة لا علاقة لها بفكرة القومية أو الوحدة العربية أو الحدود الجغرافية المشتركة أو التاريخ واللغة والثقافة المتشابهة، فهذه مسلمات لا نناقشها، لكن المسألة تتعلق بدول مستقلة صاحبة سيادة، وكل منها له خصائصه وظروفه وأحواله وحساباته التي لا يمكن اختزالها في موقف موحد وشعار واحد وتوجه متطابق.

وعدم التطابق في التوجه لا يفسد للوحدة العربية قضية. لكن العالم يتغير، والظروف تتبدل، والأيديولوجيات تتطور. واستمرار التشبث بأفكار الستينيات وقت كان العالم غير العالم، وعلاقات الدول ببعضها مبنية على أسس مغايرة، وقواعد التطور والبناء والنهضة مختلفة هو إصرار على الغرق في نوستالجيا عاطفية لا تسمن أو تغني من فقر وتأخر.

تأخر فهم دول الغرب لرياح التغيير الحقيقية في المنطقة العربية ربما ينبع من رفض البعض منا فهم وهضم وقبول لفكرة التغيير الذي هو سنة الحياة. ولعل النظر إلى ما يجري في الاتحاد الأوروبي في ضوء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا يساعدنا في قبول فكرة التغيير وعدم ربطها بالتخلي أو التشرذم أو التناحر.

الحرب الروسية الأوكرانية كشفت رياح تغيير في داخل الاتحاد الأوروبي، وكذلك حلف الناتو، ومؤشراتها ليست وليدة الأحداث، لكن الأحداث سرعت بظهورها على السطح وأسهمت في خروجها إلى العلن.

فروسيا ترتبط بالعديد من دول الاتحاد الأوروبي بعلاقات «مصيرية»، أي اقتصادية، فبعد رد الفعل الأولي المطلوب، الذي استغرق وقتاً بالمناسبة، من إعلان الشجب والتنديد والتضامن مع الشعب الأوكراني، اتخذت غالبية دول الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية خطوات يمكن وصفها بالبطيئة، إضافة إلى التأني والتريث وتمني أن تحدث في الأمور أمور قبل أن تضطر لتعلية نبرة الشجب والتنديد، ومن بعدها فرض العقوبات.

ألمانيا مثلاً في موقف صعب، فروسيا شريك تجاري اقتصادي لا غنى عنه، ويكفي أن روسيا هي مصدر الغاز الطبيعي لألمانيا، وهو ما يفسر التأكيدات الألمانية على بقاء إمدادات الغاز خارج تطورات الحرب وما ينبغي اتخاذه من إجراءات في شأنها.

ويمكن القول إن روسيا عن طريق الغاز «تمسك أوروبا من يدها التي تؤلمها»، فالغاز الروسي يمد دولاً أوروبية بنحو 40 في المئة من احتياجاتها من الطاقة. والدول الأوروبية بين نارين: نار التمسك بالقيم الليبرالية والديمقراطية والمضي قدماً في معاقبة روسيا على خرق هذه القيم بالاعتداء على دولة ذات سيادة، ونار اعتمادها الكبير على الغاز الروسي.

المجر مثلاً أعلنت مراراً وتكراراً دون لف أو دوران أن الحرب الروسية الأوكرانية يجب أن تظل محلية، فلا حرب جوية ولا حرب ممتدة على الأرض، في إشارة إلى رفض فكرتي الحظر الجوي وإرسال قوات حفظ سلام إلى أوكرانيا باعتبارهما مخاطرة بتوسيع رقعة الحرب.

ليس هذا فقط، بل إن المجر أبدت تخوفها من أنها وبقية دول أوروبا ستدفع ثمن العقوبات الجاري فرضها على روسيا. وأعلنت كذلك أنها مستعدة لسداد كلفة الغاز الروسي بالروبل كما طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

التباينات في داخل الاتحاد الأوروبي كبيرة وعميقة، والمصالح المهددة بسبب الموقف من العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أكبر من أن تُحل عبر أفلاطونية الموقف الواحد ومثالية وقوفها جميعاً على قلب رجل واحد، فالمواقف متباينة والقلوب كثيرة وتوازنات العالم وتحالفاته تتغير وتتبدل رغم الأنوف وبعيداً عن العواطف والمشاعر.

بالطبع تبقى مشاعر الثقافة واللغة والتاريخ العربي المشترك، والأهم من ذلك تتسيد الأخوة العربية، وهذا يظهر في أغلب المصائب والكوارث التي تحل على دول المنطقة، إذ تهرع دول لنجدة أخرى دون حساب لمصالح أو تفكير مرتين في توازنات.

لكن حان الوقت لمعرفة أن عالم ما بعد ما سمي «الربيع العربي» 2011 مختلف، وعالم ما بعد كورونا مختلف، وعالم ما أثناء وبعد الحرب الروسية الأوكرانية أيضاً مختلف، ليس فقط في المنطقة العربية وتوازناتها وتحالفاتها، ولكن في بقية أرجاء الأرض.

علينا أن نعي أن الجغرافيا والاقتصاد وإلى حد ما التاريخ والسياسة جميعها يصنع عالماً مختلفاً هذه الآونة، ولن يكون أفضل أو أسوأ بالضرورة، لكنه مختلف وأكثر واقعية، لذلك حان الوقت للاستعداد والتعامل مع كياناتنا العربية الجامعة من مؤسسات وهيئات وجامعة دول عربية بشكل أكثر حداثة وواقعية وعقلانية، وذلك على أرضية الأخوة الثابتة.

 

طباعة Email