ندوب الحروب

ت + ت - الحجم الطبيعي

إذا كان الشباب والرجال هم وقود الحروب، فإن الأطفال والنساء وكبار السن هم رمادها. هم الندوب التي تبقى على وجوه الأوطان بعد أن تنطفئ النيران. يذهب المنتصرون بمغانمهم ويتجرع المنهزمون غصة مغارمهم، حيث لا يبقى لهم إلا الرماد الذي تذروه الرياح، فلا يستطيعون حتى جمعه.

وإذا كانت التقارير القادمة من قريتي إربين وبوتشا وغيرهما من القرى الأوكرانية صحيحة، فنحن أمام مأساة إنسانية وأخلاقية من الدرجة الأولى.

ولكن من قال إن الإنسانية والأخلاق تحتفظان بمكانتهما عندما تشتعل الحروب، وتُطلَق أيدي الجنود بين المدنيين العزل من الأطفال والنساء وكبار السن في المدن والقرى التي يجتاحونها بدباباتهم ومدرعاتهم وأسلحتهم المختلفة، فيدوسون من فيها بأحذيتهم، وينتهكون حرماتها؟

«جثث على الطرقات، وقذائف لم تنفجر، وعمليات نهب للمحال التجارية المدمرة بالكامل. محطات الوقود تعرضت للقصف واحترقت، والمخازن التجارية خالية من البضائع. آثار الرصاص على الجدران وفي داخل أنفاق تصل بين جانبي الطريق الدولية كانت قبل المعارك مخصصة للمشاة، ثم ألقيت فيها قنابل يدوية.

في حديقة منزل وقف كلب ينبح، وخلف زجاج مهشم ظهر وجه إنسان يختلس النظر ويحتمي بستائر ممزقة. بعض البيوت لا تزال مسكونة، ويتسلل من خلفنا رجل بيده كيس طعام، وحين يشاهدنا يركض داخلاً إلى منزل مغلقاً الباب بسرعة.

عمليات اغتصاب لأطفال ونساء، ونهب وقتل مدنيين بالمئات، ألقيت جثث بعضهم كما الدجاج المذبوح في الشوارع. مقابر جماعية تم اكتشافها لمدنيين، ظهر أن كثيرين منهم قضوا برصاصة في الرأس وهم مقيّدو الأيدي من الخلف. عمليات اغتصاب لنساء تحدثن عنها بأنفسهن، ووفيات لأطفال ماتوا من الجوع».

هذا هو مشهد بعض الرماد الذي يتطاير الآن من الحرب الروسية الأوكرانية وهي ما زالت مشتعلة، فما الذي يمكن أن نراه أو نسمع عنه بعد أن تنطفئ النيران وينكشف ما بداخل الأفران؟

في كتابها «امرأة في برلين – ثمانية أسابيع في مدينة محتلة» تسجل الكاتبة مارتا هيرلس مذكراتها لثمانية أسابيع من عام 1945م، عندما سقطت برلين إبان الحرب العالمية الثانية؛ من الجمعة 20 إبريل إلى الجمعة 22 يونيو.

خربشت مارتا في دفاتر حسابات مالية قديمة وجدتها، وعلى أوراق منفصلة، ما حدث معها ومع سكان البناية؛ حيث المأوى الذي عثرت عليه. ظهرت الطبعة الأولى من الكتاب في الولايات المتحدة باللغة الإنجليزية عام 1954 تحت اسم «مجهول».

لم ترد الكاتبة أن تضع اسمها على الكتاب كي تعرف ردة الفعل تجاهه. صورت مارتا البرلينيين في كل طبائعهم البشرية، وحكت عن العلاقات المعقدة بين المدنيين والجيش المحتل، والمعاملة المهينة للنساء في مدينة محتلة، حيث الاغتصاب الجماعي الذي عانت منه جميع النساء، بغض النظر عن سنهن أو عجزهن.

في عام 1959 نشرت مارتا كتابها لأول مرة باللغة الألمانية، وتحت اسم «مجهول» أيضاً. قوبل الكتاب إما بالتجاهل وإما الإهانة. لم يتم الكشف عن هوية الكاتبة إلا بعد وفاتها بعامين.

كان هذا عام 2003 عندما صدرت طبعة جديدة من الكتاب في ألمانيا. كانت هذه المرة من أفضل الكتب مبيعاً لأكثر من 19 أسبوعاً، ونال الكتاب إشادة واسعة من النقاد في تلك السنة. في عام 2005 صدرت طبعة جديدة من الكتاب باللغة الإنجليزية، إضافة إلى صدوره في سبع لغات أخرى بعد ذلك، منها العربية عام 2016، وتحويله إلى فيلم سينمائي عام 2008 بالعنوان ذاته.

في مذكراتها ركزت مارتا على حالات الاغتصاب التي تعرضت لها هي وكل نساء المدينة تقريباً، الشابات منهن والعجائز، من قبل جنود المحتل. وكي تتفادى تعرضها للاغتصاب المتكرر من قبل جنود مختلفين قررت مارتا أن تقيم علاقة بالتراضي مع ضابط يحمل رتبة رائد.

من المؤكد أنها لم تفعل ذلك من أجل الحب. كان ذلك من أجل الحصول على «لحم الخنزير المقدد، الزبدة، السكر، الشموع، اللحوم المعلبة» كما تقول مارتا.

مشاهد الرجال الألمان الذين تُنتَزع رجولتهم، والأطفال الذين تنتهك طفولتهم، والنساء اللواتي تستباح كرامتهن، كانت طاغية على المذكرات. ما تبقى بعد ذلك من خراب المدن وتهدم المنازل والمباني والمنشآت ووسائل المواصلات يمكن إعادة بنائه، ولكن من يستطيع إعادة بناء النفوس المتهدمة وترميم بقايا الكرامات المهدورة؟

ندوب الحروب ربما تتأخر قليلاً، ولكنها تظهر حتماً. عندها نتمنى لو أن الحياة تُعاش من دون حروب، ولكن هذا هو ما قالت العرب عنه رابع الغول والعنقاء والخِلّ الوفي.

 

طباعة Email