ومضة الإنسان

ت + ت - الحجم الطبيعي

هذه ومضة قيادية من الومضات التي يكتبها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، والتي أصبح لها إيقاع زمني في غاية الضبط والفاعلية حيث يختار سموه يوم الجمعة لنشر هذه الومضة ضمن وسمه المعروف «ومضات قيادية» والتي تكون أحياناً على شكل حديث بصوته الواثق مصحوباً ذلك كلّه بشريط من الصور المؤثرة التي تنقل عمق الفكرة وتزيدها رسوخاً في العقل والقلب والوجدان، ولقد سبق لكاتب هذه السطور أن توقف عند الفلسفة التربوية التي يتغيّاها صاحب السمو من هذه الومضات الثمينة، حيث تختزن الكثير الكثير من تجاربه الثرية في هذه الحياة، ويُوْدِع فيها مادة غزيرة من أفكاره ورؤاه، وقبل كل شيء وبعده فإن هذه الومضات تهدف دائماً إلى تعزيز الروح المعنوية لأبناء الوطن، وتعميق حسّ الانتماء، وصقل الخبرات الكامنة لدى طاقات الشباب المقبل على تحمل مسؤولياته في مواصلة مسيرة البناء والإعمار، لتظل رحلة الحياة في قطار العمل والإنجاز من خلال الرغبة الصدقة في العطاء والإبداع والتجدد.

في هذا السياق المتواصل من الاهتمام بتثقيف الأجيال وتقديم الخبرات العميقة، وتوكيد الروح المعنوية وإشاعة روح الثقة بالنفس بين أبناء الوطن المفدّى، نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ومضة قيادية ركّز فيها على قيمة الإنسان، وأنه نقطة انطلاق التنمية ونقطة الرجوع إليها تماماً كما يتم تشكيل الدائرة التي تنطلق من نقطة وتكتمل بالرجوع إليها لتكون نظرة صاحب السمو لمسيرة الحياة قائمة على هذه النظرة الفريدة التي تضمن تماسك الرؤية وتلاحم الجهود وتميز الإنجازات.

«هدف هذه الرؤية هو الإنسان، تبدأ بالإنسان وتنتهي بالإنسان» بهذه الكلمات الرائعة التي تحتفي بالإنسان، وتؤكد على قيمته في نظر صاحب السمو يفتتح هذه الومضة البديعة المتألقة مثل حزمة النور المتوهّجة بالمعنى، فليس سهلاً أن يكون الرهان على الإنسان، وليس سهلاً أن يكون الإنسان هو منطلق المسيرة ومنتهاها، لأن ذلك يعني الاهتمام الصادق الحثيث بكل ما ترتقي معه ملكات الإنسان من جميع النواحي المعرفية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية بحيث يكون الإنسان هو محور التنمية وغايتها، وهو الكائن المتجدد الحاجات والطاقات، الأمر الذي يعني أن مسيرة التنمية لا تستطيع أن تتوقف عند مرحلة بعينها فضلاً عن الانكفاء على نفسها، فهي دائمة البحث عن الآفاق الجديدة التي تتفتح معها طاقات الإنسان ويرتقي بها أسلوب حياته من خلال السياق الحضاري الذي لا تهدأ عجلة التقدم فيه، وهو ما يجعل كلفة الاهتمام بالإنسان كلفة عالية تتجاوز مجرد توفير الطعام والشراب والمسكن والملبس، وهو ما نشعر به واقعاً متحققاً في حياة الإنسان الإماراتي الذي يتمتع بمستوى غير مسبوق في نمط الحياة العلمية والتعليمية والتثقيفية والاجتماعية والاقتصادية مع الرعاية الشاملة بحيث يشعر بقيمته داخل نفسه، وأنه إنسان يحظى بهذا النمط من الاحترام المتميز داخل وطنه العزيز.

«فغايتنا هي تحقيق الخير والرخاء للإنسان في ظل اتحاد قويّ وآمن» وهذا هو جوهر الرؤية وأعمدة الغاية: الخير والرخاء، فالخير اسم جامع ينطوي تحته كل المكتسبات المعنوية والمادية، وبه تتحقق الفضائل الفردية والاجتماعية، والرخاء هو الصورة المادية للخير في حياة الإنسان، وهو ليس رديفاً للتبذير والترهّل وتبديد النعمة بل هو العيش الكريم الرفيع الذي يشعر معه الإنسان بقيمة النعمة ويعمل على صيانتها وشكر واهبها، وتحقيق ذلك سيكون في أرقى صور التلاحم الاجتماعي الذي يتجسد في هذا الاتحاد النادر الذي أسسه الباني الأول المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وساعده على ذلك رجال آثروا الوطن على أنفسهم، وتركوه أمانة في أعناقنا لا يجوز التفريط بها أو خذلانها مهما كانت التحديات والتضحيات.

«ليخطو الإماراتيون بثقة وطموح متسلحين بالمعرفة والإبداع لبناء اقتصاد تنافسي منيع في مجتمع متلاحم متمسك بهويته ينعم بأفضل مستويات العيش في بيئة مِعطاءة مستدامة» وهذه اللام في «ليخطو» يسميها العلماء لام التعليل التي تفسر ما قبلها من أفعال، فغاية جميع تلك الأفعال السابقة هي تمكين أبناء الإمارات من تحقيق ذاتهم الحضارية ونقل خطواتهم الواثقة في طريق الإنجاز وهم يحملون سلاح العلم والمعرفة، لكي يحققوا الوطن النموذج الذي يتجلى من خلال اقتصاد قوي قادر على المنافسة في ظل مناخ عالمي شديد التنوع، كثير المفاجآت، وأن يتم تحقيق ذلك من خلال مجتمع متماسك الجبهات يعمل من خلال الأيدي المتماسكة والأكتاف المتراصة والثقة التامة بين القيادة والشعب مع التمسك الواعي بالجذور العميقة للهوية الوطنية والحضارية، وأن الانخراط في الحياة الحديثة لا يعني بأي حال من الأحوال التنكر للأجداد الماضين الذين قدموا أروع صور الانتماء لهذا الوطن الطيب الأصيل، الذي ننعم فيه بأرقى أنماط العيش الكريم والحياة المتحضرة التي تقوم على العطاء والبذل وتطمح إلى إنجاز المزيد من خلال تصميم لا يتراجع على استدامة مسيرة التنمية الباهرة التي يستحقها وطننا العزيز.

«نحن واثقون من أنفسنا، وواثقون من شعبنا» وبهذه الكلمات النابعة من القلب يختتم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذه الومضة اللامعة التي تحتفي بالإنسان، وتؤكد ذلك من خلال تعميق الإحساس بالثقة بالنفس وبالقيادة لأن الثقة الراسخة بين قطبي الحياة هي الضمانة الوحيدة لترشيد المسيرة وتوجيهها دائماً نحو الاتجاه الصحيح في وطن يقوم على المحبة والألفة والرغبة الصادقة في رؤية الوطن في مكانه الذي يستحقه بين الأمم المتحضرة على ظهر هذا الكوكب الجميل.

طباعة Email