مستقبل النظام الليبرالي الدولي

ت + ت - الحجم الطبيعي

يواجه النظام العالمي تحدياً كبيراً لم يسبق له مثيل منذ أمد بعيد، ولعل أكبر تحد واجهه النظام الليبرالي العالمي كان حرب البلقان، والذي اختبرت فيه فعلاً استجابة النظام لعمليات التطهير العرقي هناك، وكان أن تدخل حلف الناتو لوقف المذابح.

وحينها كانت الإشكالية روسيا، التي رأت في تدخل «الناتو» في البلقان تهديداً لها ولأصدقائها، ولم يكن يحظى تدخل حلف الناتو بمباركة مجلس الأمن الدولي، ورغم ذلك تدخل الحلف بعد تلكؤ وضغوط شعبية لوقف الانتهاكات في البوسنة والهرسك.

ويعود النظام الليبرالي العالمي إلى نهاية الحرب العالمية الثانية بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وقد برز على الساحة الدولية قطبان رئيسان هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وكانت بقية القوى العظمى منهكة من الحرب مثل فرنسا وبريطانيا، أو مدحورة مثل ألمانيا وإيطاليا، وكانت كثير من البلدان ترزح تحت نير الاستعمار الأوروبي.

وقد كانت الولايات المتحدة القوة العظمى الأولى حيث كان لها نصيب الأسد من الاقتصاد العالمي؛ حيث بلغت حصة الولايات المتحدة إلى ما يصل النصف من الإنتاج العالمي، وخرجت من الحرب العالمية منتصرة وبقوة عسكرية هي الأعظم في التاريخ، وقد حازت على السلاح النووي، والذي استخدم لأول مرة ضد اليابان رغم أن الحرب قد أوشكت على الانتهاء، ويقول بعض المؤرخين: إن القصد من استخدام القنبلة النووية كان لدب الذعر في ستالين زعيم الاتحاد السوفييتي.

مهما كان الأمر فإن الاتحاد السوفييتي لحق بالولايات المتحدة كقوة نووية موازية للولايات المتحدة، وبذلك دخلت العلاقات بين القوى العظمى في نطاق جديد، يسوده الخوف من إلحاق دمار شامل بينهما، فقد سعت الولايات المتحدة لخلق نظام دولي، يقوم على الأسس الليبرالية والقيم السائدة في البلدان الديمقراطية الغربية؛ وعلى هذه الأسس سعت إلى تدشين نظام عالمي قائم على القواعد الدولية، كما شرعت الولايات المتحدة لبناء المنظمات الدولية لرعاية قواعد اللعبة الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية.

وعلى نفس المنوال ركزت الولايات المتحدة كجزء من النظام الليبرالي العالمي على حرية التجارة وحرية انتقال رأس المال والاستثمارات عبر الدول. وكان لازماً خلق عملة دولية تسهل عملية التجارة والاستثمار الدوليين، وقد تعهدت واشنطن حسب اتفاقية بريتون وودز أن تعطي كل من يحمل ورقة الدولار مقابله ذهباً إذا ما اقتضى ذلك، وهذا التعهد جعل من الدولار العملة الأولى في العالم للتبادل التجاري، أو كما قالت الراحلة المختصة في الاقتصاد السياسي الدولي سوزن سترينج، إن الدولار بعد تعهد بريتون وودز أصبح مثل الذهب، بل أفضل من الذهب، حيث يستطيع حامل الدولار أن يكسب فوائد على ودائعه، وما زال يعد الدولار سيد العملات قاطبة حتى بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن تعهدها في العام 1971، فيما عرف بصدمة نيكسون.

ومن ضمن المؤسسات التي أنشئت في المجال الاقتصادي هما صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير لتسهيل التجارة والاستثمار في العالم، وكذلك الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة (جات) لرفع القيود التجارية وخفض الجمارك بين البلدان، والتي تحولت لاحقاً إلى منظمة التجارة الدولية.

وكان لا بد من إكساء عضلات عسكرية لحماية النظام الليبرالي الدولي، لذا أنشئت للدفاع عن المصالح الغربية حلف الناتو، والذي ضم عدة دول من أمريكا الشمالية إلى الدول الغربية الأوروبية بالإضافة إلى تركيا، وكان هذا الحلف في مواجهة مع المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي طوال الحرب الباردة، ولكن النظام الليبرالي الدولي واجه تحديات بين الحفاظ على المنظومة الدولية وتلبية مطالب الدولة ومصالحها، فرغم الزعم بحماية النظام العالمي القائم على القواعد والأعراف الدولية إلا أن الولايات المتحدة لم تنفك من اختراقه حين غزت البلدان وآخرها- وأفظعها- العراق، كما أن واشنطن تورطت في قلب أنظمة حكم لم تتماشَ مع مصالحها مثل تشيلي وغواتيمالا والكونغو.

ثانيا،ً واجهت الولايات المتحدة والتي هي القائد المهيمن على النظام الليبرالي الدولي منافسين لا يتبنون الأيدلوجية أو القيم الليبرالية، ويخطئ البعض حين يظن أن قوة الولايات المتحدة انحدرت، فالولايات المتحدة الدولة الأقوى عالمياً، ولكن صعدت دول أخرى مثل روسيا والصين والتي جعلت من الولايات المتحدة نسبياً منحدرة.

وأخيراً وليس آخراً، بروز الحركات الشعبوية في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا أضعف النزعة العالمية عند شعوب هذه الدول خاصة أنها أنهكت من الحروب الخارجية والهجرات المتدفقة إلى بلدانها، وأصبحت أقل إيماناً وتمسكاً بالقيم الأممية الليبرالية، وليس أدل على ذلك من انتخاب دونالد ترامب، والخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى انتخاب أحزاب يمينة في بعض البلدان الأوروبية.

ولكل هذه الأسباب مجتمعة يبدو أن النظام الدولي التي أرست قواعده الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، واستمر لثلاثة أرباع القرن، يواجه امتحاناً عصيباً في هذه الأيام، ولا ندري ماذا سيحل كبديل محل هذا النظام، وقد قال الشاعر قديما: بالملح نُصلح ما نخشى تغيره فكيف بالمِلح إن حلت به الغِيَرُ.

 

* كاتب وأكاديمي

طباعة Email