شخصيات تحت المجهر

سعود الراشد.. اسم رنان في تاريخ الغناء الكويتي

ت + ت - الحجم الطبيعي

سعود الراشد اسم محفور في ذاكرة الموسيقى الكويتية والخليجية منذ ما قبل خمسينيات القرن العشرين، فأغانيه الجميلة، وألحانه الشجية، وجهوده في تطوير وتجديد الأغنية الكويتية، وسعيه للحفاظ على الموروث السمعي لأنماط الغناء في الكويت بنوعيه الصحراوي والبحري، جعلت منه اسماً لا يمكن تخطيه حين التأريخ والتوثيق للغناء في الخليج.

مبعث الدهشة في نبوغ الراشد موسيقياً يأتي من حقيقة أنه علّم نفسه بنفسه من خلال التمرن على عزف العود بمساعدة وتشجيع والده، والاستماع المكثف لأعلام الغناء في مصر من خلال الأسطوانات.

في عام 1945 حدث ما شكل منعطفاً مهماً في حياته الموسيقية، وذلك حينما تعرف على الملحن القدير أحمد الزنجباري، الذي كان آنذاك جاراً له في السكن بمنطقة الشرق، وزميلاً له في العمل بدائرة الأشغال، فتوطدت العلاقات بينهما، لا سيما وأن كليهما كان من محبي الطرب الأصيل. هذه العلاقة كانت ذات فائدة لطرفيها، فعلى حين تتلمذ الراشد على يد الزنجباري لجهة تعلم أصول العزف بطريقة علمية وتدريب صوته على أداء الأغنيات والمقامات الصعبة، تعرف الزنجباري من الراشد على ألوان الفنون الشعبية الكويتية، ولا سيما الصوت الكويتي الذي كان مثار اهتمامه الأول.

وفي سيرة الراشد ما يفيد بأنه زار البحرين عام 1942 بدافع تطوير ذائقته الموسيقية، حيث واظب على ارتياد المقاهي الشعبية واستمع للموسيقى والألحان البحرينية بحرية تامة. وكان ذلك مغايراً للأوضاع في الكويت، التي كان الفن فيها في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات مستهجناً. وتصادفت زيارته للبحرين مع الإعلان عن حفلة للفنان محمد بن فارس بمشاركة الفنان عبدالله فضالة، ولأن الأخير اضطر للسفر فجأة، فقد حل الراشد مكانه، ليستمع الجمهور له لأول مرة من خلال إذاعة البحرين القديمة التي سجلت الحفلة وبثتها.

ظل الراشد مجرد هاوٍ للغناء مذاك وحتى 1957، الذي شهد المنعطف الثاني في حياته، ففي تلك السنة تأسس «مركز الفنون الشعبية» بهدف جمع التراث الشعبي الكويتي، واختير الراشد عضواً في لجنته، إلى جانب قامات ثقافية كويتية مثل عبدالعزيز حسين، وحمد الرجيب، وأحمد البشر الرومي، وأحمد العدواني.

تمكنت اللجنة من تسجيل ستين عملاً موسيقياً خلال فترة وجيزة، ما حفز الراشد على السفر إلى القاهرة أواخر سنة 1957، هادفاً إلى الارتقاء بالأغنية الكويتية ونشرها خارج الحدود. في رحلته هذه حمل معه خمسة أعمال لتسجيلها لصالح إذاعة صوت العرب بمصاحبة الكورال وفرقة موسيقية متكاملة. واشتملت الأعمال الخمسة على أغنيتين من ألحانه وغنائه، هما: «فزّ قلبي» و«ما ناح ورقٌ»، وثلاث من أغاني التراث الشعبي التي قام بتطويرها، وهي: «يا ليل دانا»، و«في هوى بدري وزيني»، و«لولا النسيم». حظيت هذه الأعمال باستحسان المستشار الفني لإذاعة صوت العرب الموسيقار محمد حسن الشجاعي، فتم إجازة الراشد ملحناً في مصر في السنة ذاتها، وبدأت الإذاعة المصرية في إذاعتها، ثم بثتها إذاعة الكويت في بداية تأسيسها عام 1958.

ولد سعود راشد سليمان الرباح في الكويت عام 1922، وجده سليمان الرباح نزح إلى الكويت من حوطة بني تميم في نجد وسكن حي المرقاب وجبله. كان راشد بن سليمان الرباح وإخوانه خليفة وعبدالله وفهد من الكويتيين الذين اشتهروا في مجال البناء، فكان يطلق على الواحد منهم «أستاذ». وبحسب موقع تاريخ الكويت فإن أسرة الرباح أسهمت في بناء وترميم العديد من معالم الكويت، بل يقال إن الرباح كان أيضاً ضمن البنائين الذين استقدمهم الملك عبدالعزيز لبناء قصر الحكم بالرياض.

عمل فناننا في بداية حياته موظفاً بوزارة الأشغال العامة كمراقب للبناء، ومن ثم صار مدققاً للحسابات، إلى أن انتقل إلى وزارة الإعلام، حيث عين في مطلع الستينيات رئيساً لقسم الموسيقى بالإذاعة الكويتية، التي كان قد قدم فيها عند افتتاحها أول أغنية له مع فرقة موسيقية كاملة، وهي صوت «سادتي رقوا لقلب موجع»، لكنه كان قبل هذه الأغنية قد أطلق صوته عبر أثير «إذاعة شيرين» الكويتية الخاصة من خلال صوت «ملك الغرام».

لاحقاً قدم الراشد من إذاعة الكويت بمصاحبة فرقتها الموسيقية أعمالاً لاقت الاستحسان، وعُدت بمثابة تجديد وتطوير للأغنية الكويتية، مثل: صوت «يا بديع الجمال»، و«فزّ قلبي» الآنف ذكرهما، و«قائلة لما أردتُ وداعها». وفي عام 1961 التقى الراشد الدكتور يوسف الدوخي، فأثمر لقاؤهما عن ميلاد صوت «من علمك يا غصين البان». وهكذا راحت إبداعات الراشد الموسيقية تتوالى مع ترسخ اسمه في الساحة الغنائية، خصوصاً وأن أغانيه اكتسبت الشعبية لبساطتها وسهولتها، فقدم أعمالاً خالدة إلى اليوم، مثل: «السحر في سود العيون»، «هب ريح الصبا»، «أمس الضحى والبارحة واليوم»، «مال واحتجب»، «بأبي الشموس من الجانحات غواربا»، «الحبيب اللي معانا». أما في عام 1964 فقد لحن أول سامرية له، وهي «ما دري علامك يا الغضي زعلان»، التي غنتها فايزة أحمد وأعجبت أم كلثوم.

تعتبر مرحلة الستينيات بمثابة العصر الذهبي للأغنية الكويتية، وأهم ملامحها استضافة الكويت للعديد من نجوم الطرب العرب بهدف الترويج للأغنية الكويتية من خلال أصواتهم، فتعاونوا مع ملحنين وشعراء كويتيين كثر. وغنى بعض هؤلاء من ألحان الراشد، ومنهم: وديع الصافي ونجاح سلام وهيام يونس، لكن تبقى تجربة الراشد الأهم مع عبد الحليم حافظ عام 1965 عندما لحن له من كلمات عبد المحسن الرفاعي أغنية «عيني ضناها السهر».

غنى ولحن الراشد أيضاً بعض الأغاني الرياضية والدينية والأسرية، علاوة على العديد من الأغاني الوطنية، لعل أكثرها شهرة أغنية «رفرف علم بلادي.. فوق السهل والوادي» من كلماته وألحانه وغنائه، والتي تعتبر أول وأسرع أغنية وطنية سجلها الراشد مطلع الستينيات زمن أزمة الكويت مع العراق في عهد عبد الكريم قاسم.

ظل الراشد، الذي صنف عام 1976 ملحناً ومطرباً محترفاً من الدرجة الممتازة، ناشطاً في مجال الغناء والتلحين وحفظ التراث الموسيقي، وأيضاً في مجال الفن التشكيلي، إلى أن توفي في 5 يوليو 1988م، مخلفاً وراءه شهرة بلغت الآفاق، وكنزاً من الألحان، وعشرة من الأبناء.

طباعة Email