هل يشهد العالم تحولات كبيرة؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

العالم في خضم تحولات كبيرة، وما الحرب في أوكرانيا إلا أحد إفرازات هذه التحولات، ولا يمكننا أن نفهم ما يدور في أوروبا اليوم إلا إذا فهمنا السياق التاريخي الأوسع لتشكيلات النظام الدولي، عبر تنافس القوى الكبرى على النفوذ في أوروبا والعالم، والحصول على المزيد من المستعمرات في دول العالم الثالث كمصدر للمواد الأولية للصناعات في أوروبا، وقد شهد النظام السياسي الدولي عدة تحولات في خلال قرن، فقبل اندلاع الحرب العظمى في 1914 كان النظام العالمي يخضع لسيطرة عدة دول وهي بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، الولايات المتحدة، روسيا، ألمانيا، الإمبراطورية النمساوية-المجرية (هابسبورغ)، ورجل أوروبا المريض الدولة العثمانية، ويشار هذا التعدد من قبل القوى العظمى إلى نظام دولي متعدد الأقطاب.

ورغم العلاقات الأسرية بين بعض السلالات الحاكمة الأوروبية، إلا أن حسابات القوة والهيمنة كانت أقوى من روابط الدم، بل إن انعدام الثقة بين الدول الأوروبية أدى إلى اندلاع حرب كونية دمرت العالم، وفقد فيها الملايين أرواحهم وممتلكاتهم.

وأضحى النظام الدولي الجديد، بعد سقوط الإمبراطورية النمساوية- المجرية وهزيمة ألمانيا، واقعاً جيوسياسياً جديداً وخاصة بعد نجاح الثورة البلشفية وبروز الاتحاد السوفييتي كقوة عالمية وازنة وأيديولوجية معادية للغرب الرأسمالي.

وأصبحت القوى المسيطرة على الساحة الدولية بعد الحرب العظمى هي الولايات المتحدة- والتي تجاوزت بريطانيا كالقوة العالمية الأولى. وقد فقدت الدولة العثمانية هيمنتها على المنطقة العربية لصالح الدولتين الاستعماريتين، حيث تقاسمت بريطانيا وفرنسا دول المشرق العربي، أو الهلال الخصيب، إلى مناطق انتداب تحت ذريعة تأهيل هذه الدول للاستقلال، وقد عرف هذا التقاسم باتفاقية سايكس- بيكو.

ولم تدر القوى العظمى، والتي فرضت اتفاقاً مجحفاً على ألمانيا في فرساي أنها تزرع بذور الحرب المقبلة. ورغم الاستقرار النسبي للنظام الدولي المتعدد الأقطاب بين الحربين العظميين، إلا أن الجمر كان تشتد جذوته تحت رماد معاهدة فرساي، والتي حمّلت ألمانيا ودول المركز المسؤولية الكاملة لاندلاع الحرب. وكانت الحرب حتمية بين الدول الأوروبية، بسبب الوضع غير المتوازن في أوروبا، وحاولت ألمانيا استعادة مجدها، بقيادة زعيم ديماغوجي وكرزماتي استنفر الحمية الألمانية، وعقد العزم لرد الصاع صاعين للديمقراطيات الأوروبية، والتي نالت من ألمانيا في الحرب الماضية.

وكانت الحرب العالمية الثانية، والتي فقد فيها الكثير أرواحهم، ناهيك عن ممتلكاتهم وأوطانهم. وقد كشفت الحرب عن وحشية لا حدود لها، أزهقت أرواحاً لأجل أنها من جنس أو دين أو قومية معينة، وتغيرت الموازين العالمية بعد الحرب، وظهر تحول جيوسياسي هو الأكبر والأوسع في العالم، وتحول النظام العالمي من نظام متعدد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطب لأول مرة في التاريخ الحديث.

وبرزت الولايات المتحدة كأقوى دولة في العالم، حيث امتلكت تقريباً نصف الإنتاج الاقتصادي العالمي، وقوة عسكرية هي الأكبر في التاريخ البشري، إضافة إلى القدرات النووية، والتي استخدمت لأول مرة ضد مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين.

كما ظهر الاتحاد السوفييتي كقوة دولية موازية للولايات المتحدة ومسيطرة على شرق أوروبا تحت أنظمة شيوعية مماثلة. ولأول مرة في تاريخ الصراع بين القوى الكبرى لعبت الأيديولوجيا دوراً مهماً في الصراع والتنافس، ولأول مرة أيضاً برزت كتلة العالم الثالث، وتأسست الأمم المتحدة لفض النزاعات بين دول العالم، ومنع تكرار كوارث الحرب العالمية السابقة.

وتأججت الحرب الباردة بين الكتلتين الغربية بقيادة الولايات المتحدة والشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي، ورغم بعض المواجهات الخطيرة بين القطبين الكبيرين، إلا أن معظم المواجهات كانت في دول العالم الثالث، حيث دعمت إحدى القوتين طرفاً ضد طرف موال للقوة الثانية، وتعقدت كثير من الأمور في الدول النامية، بسبب استعار التنافس بين القطبين العالميين. وفي النهاية كان السقوط الكبير تحت وطأة التنافس، وكان واضحاً للزعماء السوفييت أن اتحادهم لن يستطيع اللحاق بالولايات المتحدة ما لم يقم بإصلاحات جذرية، ويخفف من حدة النزاع والتوتر العالمي، ولكن كل ذلك أدى إلى خروج الجني من القمقم، وأطاحت الإصلاحات بأعمدة الحكم السوفييتي وتبعثرت جمهورياته إلى دول مستقلة.

وتسيّدت الولايات المتحدة النظام الدولي، واستطاعت أن تدير العالم دون منافس، فعلى سبيل المثال استطاعت تمرير القرارات الأممية ضد العراق. وهاجمت الصرب في البوسنة والهرسك وكذلك فعلت في كوسوفو، وبدأت تتمدد شرقاً إلى حدود الاتحاد السوفييتي، حيث ضمت كتلة وارسو إلى حلف الناتو، وقامت إدارة بوش الابن بغزو العراق بذريعة أسلحة الدمار الشاملة، وكل ذلك وروسيا تلعق جروحها.

وما كانت لفكرة القطب الواحد أن تستمر إلى الأبد، فالأزمة المالية في 2008، وبروز روسيا مرة أخرى كلاعب مهم، وقيامها بعمليات عسكرية في جورجيا تحت نظر وسمع الدول الغربية، وانتزاع جمهوريتين من حضن جورجيا، دشن واقعاً جديداً في قطبية النظام العالمي، وعادت روسيا إلى قوتها التاريخية، وأصبحت الصين قوة عالمية تضاهي الولايات المتحدة. وكل ذلك يبشر بنظام عالمي متعدد الأقطاب، إلا أن الاختلاف هنا يتسم بالتنوع الحضاري والديني للقوى العظمى. وما عادت الدول المتنافسة هي دول أوروبية ومسيحية، ولكنها أيضاً آسيوية وكنفوشية-وقريباً هندوسية.

طباعة Email