لغتنا.. بردٌ على أكبادنا

ت + ت - الحجم الطبيعي

(19 دولة تتصدر العالم في التقنية، والسبب أن التعليم فيها يدرّس بلغاتها الأم)، فهل من مصدق لهذا الكلام؟ نعم؛ هنالك من يصدّق ويتأمل طريقه، وقد يعود عن خطئه إلى جادة الصواب، لكن الدول العربية عندها عملية التصديق لأمور حميدة وإيجابية كهذه، أمرها عسير عليها، بل بينهم من لن يلقي بالاً إلى هذه المسألة على الإطلاق، وإن كانت قضية وطنية وقومية استراتيجية وطيدة الصلة بمستقبل جيل الحاضر، الذي يفترض أنه يؤسس للأجيال القادمة.

والكلام ليس من عندياتي كما قد يُعتقد، بل هي الأمم المتحدة من أشارت إليه في تقاريرها حول الدول التي تقف في الصدارة العالمية بسبب استخدامها للغتها الأم في التدريس، ما جعلها تحقق هذا الإنجاز وتتأهل لمكانة مرموقة في قائمة الصدارة.

وهنالك خبر آخر معزّز لهذه الحقيقة ويزيدها انبهاراً، يقول: إن أفضل 500 جامعة عالمية، موجودة في 35 دولة، تبين أن السبب هو استخدامها لغتها الأم في التدريس.

ترى، لماذا نستبعد لغتنا الأم ونحن من يتغنى بكل معاني (الأم) ودلالاتها في كل مناسبة؟

عجيب أمرنا فنحن خلقةٌ عجبٌ لا ندرك قيمة الأشياء (معذبون وجنات النعيم بنا / وعطشون ونُمري الجونةَ الغَدَقَا) كما قال الجواهري رحمه الله في المبدعين. 

وعن لغة الضاد تقول منظمة الأمم المتحدة:.. والعربية من أكثر اللغات شيوعاً فهي مستعملة لدى ما يزيد على 425 مليون نسمة، وهي موغلة في القدم. أما التقرير الذي كتبته (ايرينا بوكوفا) المدير العام لليونيسكو عن ماليزيا، فقالت: إن التجربة الماليزية الاقتصادية والصناعية في اعتمادها على اللغة الإنجليزية، انتهت بالتراجع، بعدما تبين أن 10 آلاف مدرسة أثبتت فشل تجربة التدريس باللغة الأجنبية، مما أدى إلى تدهور مستوى الطلبة. 

ويجدر التركيز هنا أن الحديث عن اللغة العربية لا يعني أبداً الحط من قدر اللغات الأخرى التي يتوجب علينا تعلمها فهي مهمة وضرورية، لكن ليس على حساب اللغة الأم للشعوب أينما كانت على هذه الأرض، لا سيما في مجال التدريس، فتجارب العالم أثبتت أن كل شيء يمكن ترجمته للغة الأم من دون أي عوائق أو معضلات.

قد يكون هنالك من نسيَّ أو تناسى - أو تعمّد النسيان - بأن اللغة العربية التي نستخدمها اليوم هي ذاتها التي كانت في عكاظ بمكة، وذاتها التي خاطبنا بها النبي العربي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وهي ذاتها التي تنزّلت بها وتليت آيات القرآن الكريم، وهي التي استعملتها البشرية لمئات القرون، بصفتها لغة العلم والآداب والفنون والرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة والفلسفة. وهي الكائن الحي الذي نجا من بين 1000 لغة، مات منها حتى اليوم 400.

هل علينا أن نتحدث إلى النافرين أن يكفوا عن نفورهم، وغاياتهم، وأجنداتهم، وخلط أفكارهم، ليعودوا إلى لغتهم هويتهم، ومصدر قوتهم، وسراجهم المنير أبداً في الليالي المدلهمّة؟ 

صدق شاعرنا حليم دمّوس بقوله لنا:(لغةٌ إذا وقعت على أسماعنا / كانت لنا برداً على الأكباد).

* إعلامي وكاتب صحفي

طباعة Email