لا تكتموا صوت النباهة والتفكير!!

ت + ت - الحجم الطبيعي

عند النظر للتركة الإنسانية التي خلفتها أسماء عظيمة بقي إرثها محفوظاً في ذاكرة الشعوب على مر الأزمان، وعند مطالعة سير وقصص هؤلاء العلماء الذين أثروا البشرية بالمخترعات والاكتشافات، نجدهم قد مرُّوا تحت ظروف وطبيعة واحدة، وهي الحرمان والحاجة والفاقة، بل البعض منهم وُصِمَ بالغباء والتبلد في سنواته الدراسية الأولى، وبالطبع هناك أسماء أخرى كانت ظروفها الاجتماعية والحياتية أفضل حالاً، وتختلف عن هذا التوصيف، لكننا هنا نتحدث عن العموم وما يلاحظ في كل قصة.

الغريب أن العبقرية في كل قصة نسمعها تكون قد مرت بمراحل من المعاناة في عدم الفهم والتشكيك والضجر، خاصة ممن يعيش مع هؤلاء المبدعين وهم في مقتبل العمر كالمدرسة أو المنزل، ويحدث كثيراً أن يتم تأنيبهم بسبب كثرة أسئلتهم والتي طالما تاهت الإجابة عنها، فيلجأ الأب أو الأم أو حتى المعلم في المدرسة لإسكاته وزجره وتهديده، وغني عن القول أنه بهذه الطريقة الشائعة ـ مع الأسف ـ تم ممارسة قتل لموهبة طفل، وحرمان الإنسانية من مفكر كان يمكن أن يتطور لو وجد قليلاً من التشجيع والدعم والتوجيه.

لكن في قصة الصبي الصغير توماس أديسون، اختلافاً جذرياً، فقد كان طفلاً غريب الأطوار، كثير الأسئلة والشرود، وعندما التحق بالمدرسة لم يبقَ بها سوى ثلاثة أشهر بسبب ما كان يثيره من إزعاج، لدرجة أن أحد معلميه قال: إن هذا الصبي غبي ولا فائدة من بقائه في المدرسة، وقام بطرده والسبب أنه لاحظ سرحان تفكيره أثناء الدروس، لكن أمه غضبت، وذهبت نحو المعلم لتسأل لماذا يصف ابنها بالغباء؟

فقال المعلم: إنني لا أرى أنه يتمتع بأي نباهة وتركيز، فغضبت الأم وقالت: لو كنت تملك نصف مداركه لكنت محظوظاً، ثم قررت تعليمه بنفسها، فقامت تقرأ له في تاريخ اليونان والرومان وقاموس بورتون للعلوم. وفي السنة الحادية عشرة من عمره كان قد درس تاريخ العالم الإنجليزي نيوتن، والتاريخ الأمريكي، وروايات شكسبير، وحياة العالم الإيطالي غاليليو. وكان يكره الرياضيات، لكنه عقد العزم على ألا يخيب ظن والدته. وكجميع العلماء كما ذكرنا، كانت عائلته تعاني من شحٍ مالي، وتمر بظروف مادية صعبة، جعلته عندما بلغ الثانية عشرة من عمره يذهب ليساعد والديه لكسب القوت فبدأ بزراعة الخضراوات وبيعها.

فمن هو يا ترى توماس أديسون في تاريخ البشرية؟ إنه المخترع العظيم الذي قدم للإنسانية في عام 1869 اختراع آلة التلغراف والتي بواسطتها تسجل الإشارات المختلفة كتابياً، ثم اخترع الفونوغراف لتسجيل الأصوات والموسيقى، الذي قيل آنذاك إنه معجزة القرن التاسع عشر، وغنيٌ عن القول، أنه تم البناء على ذلك الاختراع وتطويره، حتى وصلت كثير من وسائل التواصل والاتصال لما هي عليه اليوم.

لا تُسكتوا أطفالكم، لا تَتَضايقوا من تساؤلاتِهم، لا تَكتموا صوت النَّباهة والتفكير لديهم، ادعموهم، شجِّعوهم، إنهم عباقرة المستقبل، فالوطن ينتظرهم، ويريدهم، والحضارة الإنسانية تحتاجهم.

طباعة Email