بطي بن بشر.. رحلة كفاح ما بين الإمارات والسعودية والبحرين

ت + ت - الحجم الطبيعي

من الذين أحاطوا بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قبل وأثناء وبعد تأسيس الكيان الاتحادي، وكانت له إسهامات في وضع اللبنات الأولى لنهضة الدولة، بطي بن بشر المتوفى في 22 فبراير 2011، والذي حظي بثقة القائد المؤسس وكان قريباً منه في مجالسه ومرافقاً له في رحلاته ومسؤولاً في ديوانه.

في مقابلاته الصحفية تحدث عن حياته فأخبرنا أنه من مواليد دبي في 18 مايو 1941م، وأن والده «حميد بن بشر» كان من معاصري ومرافقي الشيخ سعيد بن مكتوم وشغل منصب مدير جمارك دبي ما بين عامي 1939 و1944. وأن جده «راشد بن مصبح» كان صديقاً وملازماً للشيخ بطي بن سهيل آل مكتوم، وأيضاً صديقاً ومرافقاً لخلفه الشيخ سعيد بن مكتوم (حاكم دبي من عام 1912 وحتى وفاته عام 1958)، وعمل كمحكم ومصلح في النزاعات المحلية. وأما جده الأكبر «بشر المري الياسي» فقد كان هو الآخر شخصية معروفة بدليل أنه تنسب إليه «دوغة بشر»، على ساحل أبوظبي.

نشأة

نشأ بطي بن حميد بن راشد بن مصبح بن بشر المري الياسي عند أخواله من آل الصيري في الشندغة، ودرس أولاً في كتاب تقليدي، ومنه انتقل إلى المدرسة الأحمدية فتعلم الكتابة والقراءة والنحو والخط، وتجويد القرآن الكريم. وفيها أيضا بدأ ولعه بالمسرح والرياضة. وفي عام 1949 قرر والده أن يسافر للعمل بمدينة الدمام، فرافقه إلى هناك لكنه سرعان ما عاد إلى دبي لمواصلة دراسته.

وبينما كان يتابع تعليمه لاحت له فرصة العمل في البنك البريطاني الذي كان آنذاك بمثابة جامعة تعد موظفيها للحياة العملية. وفي عام 1953 سافر مع والده إلى الهند، فكانت تلك زيارته الخارجية الأولى التي عاد منها مبهوراً بما رآه هناك من أسباب الحضارة والتمدن.

دفعته طموحاته المعيشية إلى السفر إلى السعودية مجدداً أوائل عام 1954، فاختار أن يلقي رحاله بالمنطقة الشرقية لعدة أسباب منها قربها الجغرافي من بلده، وتوفر فرص العمل المتنوعة، ونصائح والده الذي سبق له العمل هناك. عن هذا المنعطف في حياته قال: «عملتُ في السعودية، وكنا نتقاضى 5 ريالات عن عملنا يومياً. ولأنني أعرف الكتابة والقراءة وشيئاً من الإنجليزية، طلب مني المقاول عبدالله فؤاد أن أعمل معه وأعطاني أجرة قدرها 300 ريال، فعملت معه بكل جد حتى بلغ راتبي اليومي بعد 8 أشهر 36 ريالاً».

لم يطل غياب صاحبنا في السعودية، إذ عاد إلى دبي في عام 1954 متطلعاً إلى استثمار ما ادخره في مشروع خاص يغنيه عن الاغتراب. وهكذا نجده يشتري سيارة ليعمل عليها في نقل الركاب بين عمان والعين وأبوظبي، كما نجده يتغلب على نقص قطع غيار السيارات في أسواق الإمارات بالسفر مع والده إلى عدن لشراء قطع غيار مستعملة وتوريدها إلى دبي لبيعها إلى أصحاب السيارات.

أعباء الحياة المرهقة لم تمنعه من الاهتمام بالأنشطة الثقافية والرياضية. ففي عام 1956 أسهم مع أخيه غير الشقيق الحكم «علي بوجسيم» في تأسيس نادي الشباب العربي بمنزل غانم بن عبيد في منطقة سوق الذهب بديره. وفي هذا النادي، حيث كان يتجمع الطلبة والمواطنون بعد صلاة المغرب، اهتدى إلى فكرة استغلال وقت المتجمعين في تعليمهم وتثقيفهم، فتولى مسؤولية إحضار معلم من المدرسة كل مساء كي يراجع معهم دروسهم ويساعدهم في التحصيل قبل أن يدفعهم لممارسة الأنشطة المتنوعة. ولهذا يُعد بطي بن بشر أحد رواد الحركة الشبابية والرياضية في الإمارات. ليس هذا فحسب وإنما هو أيضاً من رواد الحركة المسرحية كونه أسهم في أواخر الخمسينات في أول مسرحية جماهيرية تعرض في دبي من خلال مسرح سينما الوطن بميدان جمال عبدالناصر، وكانت بعنوان «الإسلام وبدو الإمارات».

 

أحداث

تحول نادي الشباب العربي زمن العدوان الثلاثي على بورسعيد سنة 1956 إلى مركز انطلاق للمظاهرات المؤيدة لمصر والمنددة ببريطانيا والتي شارك فيها بطي بحماس. وعلى إثر هذه الأحداث طالب الإنجليز بترحيله مع غيره، فغادر دبي إلى البحرين، ليبدأ من هناك حقبة اغتراب جديدة، عمل خلالها سائقا لرافعة بميناء سلمان، لكنه في الوقت نفسه راح يطور نفسه من خلال الالتحاق مساء بمدرسة عبدالرسول التاجر، فتعلم الطباعة على الآلة الكاتبة وأنهى تعليمه الثانوي، ومارس رياضة كرة القدم بنادي المحرق كحارس للمرمى، فكان بذلك أول لاعب إماراتي يحترف بالخارج.

عاد من البحرين عام 1959، متسلحاً بمعارف وأفكار حديثة، فوجد أمامه فرصة وظيفية بدائرة المحاكم المؤسسة حديثا، فعمل بها براتب 250 روبية حتى عام 1964. وفي العام التالي، ونظراً لكونه أحد القلائل من المواطنين المتعلمين والملمين بالانجليزية، تمّ تعيينه مديراً تجارياً لفرع بنك عمان بمدينة العين.

المنعطف المفصلي في حياته حدث سنة 1966، التي شهدت تولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حكم إمارة أبوظبي. ففي تلك السنة، وبينما كان في طريقه مع خاله خليفة الصيري من العين إلى دبي بالسيارة تصادف مرور موكب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، فتوقفا للسلام عليه. ولما حان موعد انصرافهما، استبقاه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وأخبره أنه اختاره ليكون معه، وكان بطي معروفاً لدى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لأنه سبق له أن زاره برفقة والده صيف عام 1960 بقلعة الجاهلي.

 

صور وحكايات

مذاك تغيرت حياة الرجل كلياً. إذ التحق بخدمة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في سنوات حكمه الأولى لأبوظبي، وراح يتدرج في المناصب الإدارية إلى أن أصبح سكرتيره الخاص يتلقى أوامره وينفذها ويتابعها بدقة وحرص. وهناك الكثير من الصور والحكايات التي تؤكد عمق العلاقة التي ربطت الرجلين مذاك وحتى عام 1976 حينما كافأه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بتعيينه وكيلاً لوزارة الأشغال الاتحادية. ومما يـُذكر للرجل أنه أثناء توليه هذا المنصب الحكومي أشرف بنفسه على عدد من مشاريع البنى التحتية الأولى، ولاسيما مشاريع الطرق السريعة.

في عام 1979 قرر بطي أن يترك العمل الحكومي ليتفرغ لأعماله الخاصة. وتقديراً لإسهاماته وإخلاصه كوفئ بتعيينه عضواً في المجلس الوطني الاتحادي سنة 1981. ولنفس الأسباب كرمه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في 2 ديسمبر 2013، بمنحه جائزة رئيس الدولة التقديرية.

طباعة Email