الصحراء.. كنز العرب وموطن الفرسان

ت + ت - الحجم الطبيعي

بأخلاق القائد الحكيم، وشجاعة الفارس المقدام، يحرص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، على ترسيخ القيم الأصيلة الرفيعة في حياتنا المعاصرة التي تمتد جذورها إلى البدايات العصيبة التي شهدت تحولات عميقة في شكل الحياة وجوهرها بعد رحلة شاقة مضنية في قلب الصحراء سلكها الآباء الأوائل في سعيهم لبناء الوطن الجميل، ولا يخفى على الناظر كم هي المسافة الشاسعة بين طبيعة حياة الآباء والأجداد وبين حياتنا المعاصرة التي تشهد تطوراً غير مسبوق جعل من دولة الإمارات دولة حديثة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى في جميع نُظُم الحياة ومساراتها، ولكنّ هذا التطور السريع لم يكن إطلاقاً على حساب الماضي العريق لهذا الشعب الذي يحرص على الامتداد داخل الماضي السعيد بكل ما ينطوي عليه من صور المشقة وصعوبة العيش، لتظل مسيرة الدولة متواصلة الحلقات، تتواصل من خلالها الأجيال ويعرف اللاحق فضل السابق، وتبقى شجرة الوطن فارعة الأغصان في السماء ولكنها عميقة الجذور في التراب العزيز الذي درج عليه فرسان البلاد ممن قدّموا كل شيء في سبيل مجد الوطن ورفعته، وفي طليعتهم المؤسسون الكبار الذين غرسوا حب الوطن وروعة الماضي في الوجدان، وسلّموا هذه الأمانة للقادة الكبار الذين تربّوا على صيانة مجد الوطن والحفاظ على هيبته وعراقته وأصالته الحضارية.

في هذا السياق من الاهتمام بتربية الشخصية الوطنية على القيم الأخلاقية الصحيحة، والوفاء النبيل للوطن وماضيه، يُطل علينا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بأفكاره ومواقفه وخبراته الثمينة لكي يظل الوطن في مكانه العالي، ويغذي الإحساس بقيمة الماضي بكل تجلياته ويذهب بعيداً جدّاً حين يحرص على استعادة مجد العرب مع الإصرار التام على حضورهم الفاعل في المشهد الحضاري حين يفتخر بالقيم الحضارية للعرب، ويقدّم الإنجازات الكبرى باسم هذه الأمة التي لا يتوانى عن الفخر بها وتمنّي الخير لشعوبها في كثير من مواقفه وكتبه وكتاباته، وكما رفع من شأن الفروسية العربية في عالم الخيل الرائع، فها هو يرفع في كثير من المواقف شأن البيئة العربية الأصيلة التي انبثق منها مجد العرب، وأنجبت الفرسان الشجعان الذين أسرجوا خيولهم، وانطلقوا كالصقور يحملون مشاعل النور والهداية بعد أن أكرمهم الله تعالى بحمل أمانة القرآن وجعلهم خير أمة أخرجت للناس إذا قاموا بأعباء هذا الشرف العالي، وكانت الصحراء اللاهبة هي التي أنجبت هذه القلوب المستنيرة بنور المعرفة، ومن قلب الصحراء تمّ تغيير العالم، ودشّن العرب واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية التي شهد لها القاصي والداني بالدور الحضاري الكبير في مسيرة البشرية نحو التميز والكمال.

وللصحراء في قلب سموه ووجدانه مكانة كبيرة عبّر عنها في غير واحدة من القصص الرائعة التي دوّنها في سيرته المُلهمة (قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً)، حيث أبدع في اقتناص اللحظات الفريدة التي تحكي قصة الصحراء ودورها في صقل شخصيته وتنمية وعيه، وترسيخ معالم الفروسية في كيانه تحت عين والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، الذي كان يحرص على اصطحابه معه إلى تلك الفيافي الشاسعة، ويتركه أحياناً عند بعض رجالات الصحراء المتمرسين بطبيعة هذه الحياة كي يتعرف إلى جميع ملامح الحياة القاسية في قلب الصحراء ولكي يشتدّ عوده في قلب التحديات، ومن تذوّقَ كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في تلك القصص أدرك عمق تأثير هذه البيئة في شخصيته، وكيف أنها كانت مسؤولة عن تنمية جميع ملكاته العقلية والوجدانية والتأملية، ليخرج من هذا كلّه فارسٌ قيدوم يعشق التحديات، ويدير ظهره بوعي وبصيرة لفكرة المستحيل، وليظل وفيّاً لتلك الأيام الخوالي التي قضاها تحت ليل الصحراء وسمائها اللامعة بالنجوم.

وها هو اليوم يستعيد ذلك الألق القديم الراسخ في حنايا القلب، ويُتحف قُرّاءه ومتابعيه بهذه الومضة البديعة التي نشرها على حسابه في إنستغرام لتكون مثل لؤلؤة لامعة تنتظم مع نظائرها من الومضات القيادية البديعة.

«نحن عشنا في الصحراء، نحن قبائل أتينا من الصحراء، والصحراء بالنسبة لنا كنز وبداية، بداية إلى ما نريد»؛ بهذه اللغة الواثقة الجازمة يفتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذه الومضة الثمينة حين يقرر عراقة الأصول التي يتحدّر منها، فهو سليل القبائل البدوية التي عاشت في قلب الصحراء، وأجداده من الفرسان المتمرّسين بمجد الفروسية، وحين قرروا بناء مدينة دبيّ كانت الصحراء هي الطريق إلى تحقيق ذلك الحلم، ثمّ تقابل القائدان الكبيران: زايد وراشد في قلب الصحراء، وتوجّها بقلوب صافية إلى جميع حكام الإمارات، وتحقق الحلم الأكبر في مسيرة الدولة على يدي هذين الفارسين الطالعين من قلب الصحراء، وبذكاء البداوة الفطري تمّ وضع أسس الدولة التي لا يقف سقف طموحها عند حد، فكانت الصحراء وما زالت وستبقى هي الكنز الثمين لكل عربي يعرف قيمة هذه البيئة التي تعني في جوهرها الصفاء والكرم والشجاعة والفروسية وحفظ العهد وكل المناقب التي حافظ عليها العرب خلال حياتهم في قلب البوادي الفياضة بالمكارم رغم شحّ مواردها وقسوة ظروفها، فكانت الانطلاقة الواثقة من قلب الصحراء، وكانت البداية من تلك الفيافي القاحلة لتحقيق كل الأحلام الثمينة التي راودت فرسان البناء والإعمار من تأسيس الدولة وحتى يوم الناس هذا.

«وكذلك التأمل، التأمّل في الصحراء، والرياضة في الصحراء، بعض الناس يفكرون يعني أنها شاقة وخطيرة، ولكن نحن ننظر إليها مثل الأرض المعروفة»؛ في هذا المقطع من حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يكشف عن مزايا الصحراء التي تجعل منها بيئة أليفة لمن يعرف طبيعة العيش فيها، فهي المكان المناسب لإطلاق طاقة التأمل والتفكير العميق داخل الروح الإنسانية حيث الابتعاد عن ضجيج المدينة، ففي الصحراء يصفو الخاطر، وينقدح زناد العقل، وكلّ الأنبياء والمصلحين كانت لهم خلوات في قلب الصحراء لصياغة الطريق الصحيح لتصحيح الحياة، فضلاً عما تحفل به حياة الصحراء من قيم الفروسية التي تتجلى على شكل رياضة متفردة في طبيعتها مثل ركوب الخيل والصيد بالصقور، ليبدد الإحساس الشائع عند كثير من الناس الذين يظنون أنّ حياة الصحراء شاقة وربما كانت غير طبيعية، ولكن كلام سموه يعيد الاعتبار لهذه الأماكن الرائعة فهي في نظر البدوي الأصيل مكانٌ أليفٌ لا يختلف إطلاقاً عن السهول والهضاب في المدن والسواحل، فهو يألفها ويستمتع بكل ما فيها من معالم الطبيعة تعبيراً عن انسجامه معها وعمق انتمائه إليها.

«نرى فيها كل شيء، ونتعلم منها دائماً في هذه الصحراء، ونحن من الصحراء»؛ بهذه الخاتمة الرائعة ينتهي كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن روعة الإحساس بقيمة الصحراء وقدرتها على الإلهام والتعليم، فهي مدرسة صامتة، وفي الليل وبحسب عبارة سموه «هناك عالم تدبّ فيه الحياة ونحن نيام»، فهي معلم قدير، والانتماء إليها تعبير عن أصالتها ورسوخ مكانتها في القلب والوجدان، لتظل هذه الصحراء الساكنة عميقة الحضور في قلب عاشقها وغارس الخضرة فيها وفارس ليلها، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي لا يسمح لذاكرته بنسيان تلك الأيام الخوالي التي تفتحت فيها روحه في قلب الصحراء وتحت سمائه.

طباعة Email