شخصيات تحت المجهر

حمزة حسين.. رجل ملتزم صاحب أفكار نيرّه

ت + ت - الحجم الطبيعي

يـُعتبر الاقتصادي الكويتي حمزة عباس حسين أول محافظ لبنك الكويت المركزي، والرجل الذي عاصر تأسيسه في 30 يونيو 1969، ووضع سياساته، وتصدى للعديد من الأزمات المالية التي واجهتها بلاده مثل أزمة سوق المناخ وغيرها بجد وروح وطنية صادقة، موظفاً في ذلك تعليمه العالي وخبرته العملية الطويلة.

أحسن الرجل صنعاً حينما أصدر عام 2016 كتاباً عن سيرته وتجربته تحت عنوان «ونصحت لكم»، واستهدف من ورائه توضيح الجهود والأفكار التي قدمها على مدى 50 عاماً للحيلولة دون تدهور الأوضاع المالية والاقتصادية في الكويت، والعراقيل التي وضعت في طريقه من قبل أنصار «إصرف ما في الجيب»، الأمر الذي أدى إلى قيام الكويت بتسويق السندات في الخارج للمرة الأولى والاستدانة من أجل سد العجز بحسب تعبيره. وصفه وزير التخطيط والتنمية الكويتي الأسبق عبد الوهاب الهارون بــ«رجل دقيق وملتزم وخبير اقتصادي من مستوى رفيع»، وقال عنه الخبير الاقتصادي الكويتي عامر التميمي: «إن أفكاره النيرة كانت تتصادم مع الفلسفة الريعية للدولة»، وهو من نقلت صحيفة النهار الكويتية (2/‏‏‏‏6/‏‏‏‏2017) عنه تحذيره من أن عدم إصلاح الخلل الهيكلي في الاقتصاد الكويتي حالياً قد يؤدي إلى أزمة مناخ جديدة كتلك التي عاصرها محافظاً للبنك المركزي. ولد حمزة عباس ميرزا حسين خاجة بالكويت في 1 أكتوبر 1934 ابناً لأسرة ميسورة، مكونة من والده الحاج عباس ووالدته سكينة وثمانية من الأبناء والبنات كان ترتيبه بينهم السادس.

تحدث الرجل عن والده (كان يملك دكاناً في سوق «بن رشدان» ويتاجر في الأقمشة والجلود، ويزاول أيضاً استيراد وتصدير الشاي والأرز)، فقال عنه إنه تميز منذ صغره بالنشاط والهمة، والجرأة في اتخاذ القرارات التجارية، والتعامل بانفتاح وود مع مختلف أطياف المجتمع، ما ساهم في ازدهار وتوسع تجارته. التحق حمزة في سنوات تعليمه الأولى بالمدرسة الجعفرية، فدرس فيها اللغات العربية والإنجليزية والفارسية والعلوم والرياضيات والتربية الإسلامية، ثم التحق بالمدرسة المباركية لمتابعة دراسته الثانوية. بعد وقت قصير من ذلك، أقدمت دائرة المعارف على تأسيس «الثانوية التجارية» فانتقل إليها مع عدد من زملائه، ليتخرج منها عام 1952 ويحصل على بعثة حكومية لمواصلة دراسته في الجامعة الأمريكية ببيروت التي منحته بكالوريوس الاقتصاد عام 1958.

بعد عودته إلى الكويت عمل في القسم السري بدائرة المالية والنفط أواخر عام 1958، لينتقل بعدها إلى وظيفة نائب مدير دائرة الموظفين التي شغلها ما بين 1959 ــ 1960. وحينما تحولت تلك الدائرة إلى ديوان الموظفين، اُبتعث لإكمال تحصيله الجامعي العالي في كلية سانت أنطوني بجامعة أكسفورد، التي درس بها السياسة النقدية والمصرفية حتى 1962 ثم أتبعه بالتدرب في البنك المركزي البريطاني. في الفترة ما بين 1963 ــ 1968 شغل منصب سكرتير في مجلس النقد الكويتي، خلفاً للبريطاني هنري ترنر المعار من بنك إنجلترا، ثم عمل مستشاراً للمجلس لسبعة أشهر.

وكانت مهمة هذا المجلس وقتذاك طباعة أوراق النقد وضرب المسكوكات وإعادة إصدارها واستبدالها، حيث أصدر المجلس الدينار الكويتي قبل استقلال البلاد بنحو شهرين، ودعا المواطنين لاستبدال ما لديهم من روبيات هندية بالعملة الوطنية الجديدة على أساس دينار واحد مقابل 13.33 روبية. وفي عام 1968 عيّن نائباً لمحافظ بنك الكويت المركزي، وكان يقوم في الوقت ذاته بأعمال المحافظ خلال الفترة من عام 1973 إلى عام 1983، وهو العام الذي تم فيه تعيينه محافظاً بصلاحيات كاملة.

 خلال مسيرته المهنية توثقت علاقته مع الشيخ جابر الأحمد الصباح، منذ التحاقه سنة 1958 بدائرة المالية والنفط التي كان الشيخ رئيساً لها، وحتى تسلم الشيخ جابر مقاليد الحكم، حيث نشأت بين الرجلين علاقة إنسانية على قاعدة الثقة والاحترام والصدق والمناصحة. وفي هذا السياق أشار عباس في كتابه إلى أن بعض الشخصيات الكويتية سعت وراء منصب محافظ بنك الكويت المركزي حين كان شاغراً طوال فترة عمله كنائب للمحافظ، إلا أن الشيخ جابر الأحمد رفض تلك المحاولات. والمعروف أن عباس وضع انطباعاته عن الشيخ جابر في كتاب أصدره سنة 2003 تحت عنوان: «الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح (الحاكم ــ الوالد ــ الإنسان)».

ومن ضمن ما ذكره عنه أنه كان رجل دولة من الطراز الأول، ينظر إلى أي مشروع يُعرض عليه من جميع الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، واضعاً نصب عينيه مصلحة الكويت والكويتيين، ويدير الأزمات الاقتصادية بروية وإدراك وخبرة عالية، ولديه طاقة كبيرة على العمل.  

وحول أحداث سوق المناخ كتب أنه حذر المعنيين من احتمال انهيار السوق، لأنه كان على دراية أن ثمة مشكلة كبرى ستقع، قائلاً (بتصرف): كنت سأصبح سعيداً لو وافق الشيخ جابر الأحمد على طلبي بالتنحي، بعد أن رفضه مرتين من قبل خلال فعاليات سوق المناخ، فهذا ما كان سيخلصني من الكابوس المحتم حدوثه، وهو انهيار السوق».

وأضاف: «إن العوامل المسببة لأزمة سوق المناخ منها ما هو اقتصادي ومنها ما هو سياسي». قبل أن يفصل ويقول (بتصرف): «كانت البنوك تمنح القروض على أساس التدفقات المالية أو الرهونات حسب التعليمات الصادرة عن البنك المركزي، سواء للأفراد أم لشركاتهم الخاصة. وقد تسرب جزء من هذه القروض إلى سوق المناخ لوجود إغراءات مالية كبيرة، تمثلت في إقدام المتداولين الرئيسيين على المضاربات والبيع الآجل بفوائد عالية.

 وحين جفت السيولة في نظام التداول لم يتمكن المضاربون من دفع التزاماتهم من الديون المتضخمة نتيجة البيوع الآجلة، مما أدى إلى انهيار السوق عند الاستحقاق ليتضح أن قيمة الشيكات المؤجلة الدفع قد بلغت (27) مليار دينار كويتي، وهو ما يمثل ستة أضعاف قيمة الائتمان الحقيقي في الجهاز المصرفي الذي تمّ تكوينه على مدى أكثر من أربعين عاماً، أي منذ بدء عمل أول بنك بالكويت في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي».

طباعة Email