دفء الأشواك وبرودة الطقس

ت + ت - الحجم الطبيعي

 لا يبدو أن في العالم دولة من غير جارة، أو جيران، من جهة واحدة، أو من عدة جهات، تشترك معهم في علاقة ما، وهكذا هم البشر، فلا يوجد في الحياة إنسان مطمئن لقدرته على العيش بمفرده، إذ لا بد له من شريك يقاسمه الأفراح والأتراح، ويعينه على مواجهة تحديات الحياة، أقله لتبدو جديرة بأن تعاش.

إن علاقة التجاور بين الدول بعضهم ببعض، وكذلك البشر فيما بينهم، قائمة على مسافة جغرافية ومعنوية، معلوم أهميتها وضرورة الحفاظ عليها، كي تبقى بين الدول حسنة ومتينة ومستمرة، تضمن عدم الزلل، وتكبح أية نزعة غير طبيعية بدوافع سلبية شتى، والحال ذاته هو بين البشر، فثمة مسافة معنوية بين أي اثنين، اتفقا على شراكة عاطفية أو تفاهمية من نوع ما، قائمة على القبول والاحترام، وتقتضي التعاون ليبقى المركب مبحراً. 

حتى فعل الكتابة ذاته، يعلمنا ترك مسافة بين الكلمة والأخرى، ليفهم الآخرون ما نكتب بوضوح، وحتى حركة المرور اليومية علمتنا ترك مسافة بين مركبتنا والأخرى أمامنا، لتفادي الاصطدام بها، وكذلك هو حراكنا في الحياة، يعلمنا ترك مسافة بيننا وبين الآخرين، كيلا نتصادم معهم، إبقاءً لعلاقة الجوار، بين الدول متينة وصحية، وبين البشر جميلة ملؤها الود والتسامح، من أجل ذلك، يقتضي الأمر ضبط المسافة الضامنة لاستمرار هذه العلاقة، بحيث لا نقترب كثيراً فنفسد أمر ما بنينا، ولا نبتعد كثيراً فنهمل، وينقض النسيان ما نسجنا، على أننا نعلم أن الأشياء أحياناً قد تغدو أجمل من بعيد، وأن بعضها قد تجده غير سار من قريب، وهذا كله يتوقف على المسافة في حالتيها، المنضبطة والمنفلتة، سواء بين الدول بعلاقاتها المصلحية الضرورية، أو بين البشر بعلاقتها العاطفية فيما بينها. إن من أعظم سنن الكون وبدائع الخلق، ضبط المسافات؛ فسير الكواكب الدقيق مرتبط بمسافات أدق، واقتراب الشمس من الأرض لميل واحد يحرق الكوكب، وابتعادها عنه لميل واحد يجمد كل شيء حي. إن الاستمرار في الحياة يقتضي الحرص على ضبط المسافات بين الكيانات كالدول، والكائنات كالبشر، وإلا فإن الحياة لن تستقيم.

في رمزية رائعة على ضبط المسافة، أوردها الفيلسوف الألماني «شوبنهاور» في قصة مؤثرة، يقول: رأيت من نافذتي مجموعة من القنافذ، اقتربت من بعضها في إحدى ليالي الشتاء المتجمدة، طلباً للدفء وهرباً من الجو قارس البرودة، لكنها لاحظت أنها كلما اقتربت من بعضها أكثر، شعرت بوخز الأشواك التي تحيط بأجسادها، مما يسبب لها ألما شديداً، وإنها كلما ابتعدت عن بعضها البعض، شعرت بالبرودة تجمد أطرافها، وحاجتها للدفء في أحضان أصدقائها. ظلوا على هذه الحال، بين ألم الاقتراب وصقيع الابتعاد، إلى أن توصلوا إلى المسافة المناسبة، التي تقيهم من برودة الجليد، وتضمن لهم درجة أقل من ألم وخز الأشواك. 

إن أشواك المتجاورين قد لا تظهر على مرأى، ولا يشعر الآخر بآلام وخزاتها، إلا عند الاقتراب منها بنية صادقة، لإقامة علاقة من نوع ما، ليكتشف حينها أن ليس كل كيان أو كائن، يستحق أن تقيم معه علاقة سوية، قائمة على الصفاء والاحترام والمصالح أو المنافع المتبادلة، وأن المسافة الفاصلة، في مثل هذه الحالة تحتاج إلى إعادة ضبط من جديد. 

خلاصة القول: إن إدارة المسافات الفاصلة، فن، يتوجب على الجميع فهمه واتقانه.

طباعة Email