00
إكسبو 2020 دبي اليوم

آخر زعماء الأبارتاييد

ت + ت - الحجم الطبيعي

غيب الموت فريديريك ويليم دي كليرك، في 11 نوفمبر الفائت، عن عمر ناهز الخمسة وثمانين عاماً. ويعتبر دي كليرك، آخر رئيس لنظام الأبارتاييد في جنوب أفريقيا. كانت قضية جنوب أفريقيا تملأ الدنيا بطولها وعرضها. فقد كانت رؤية العالم إلى نظام الفصل العنصري المعروف بالأبارتاييد، نظرة استهجان ومقت، على أنه من بقايا عهد بائد. عهد الاستعمار الاستيطاني والتفرقة العنصرية، والتي يجب تجاوزها. وقد تعززت الرؤيا بسقوط نظام الفصل العنصري في روديسيا (زمبابوي لاحقاً)، والتي استقلت من حكم الأقلية البيضاء، بقيادة أيان سميث في عام 1980.

وبقيت جنوب أفريقيا تحت النظام العنصري في شبه عزلة دولية، ما عدا الدول الغربية وإسرائيل. وكان لاستعار الحرب الباردة دور في الحماية الأمريكية، رغم التنديد اللفظي بالنظام العنصري. وقد نشاء هذا النظام في 1948، حين فاز الحزب الوطني بالانتخابات، وشكل الحكومة الأولى. ورأت واشنطن في هذا النظام، عضيداً قوياً في مكافحة القوى الشيوعية في المنطقة، وقوة مناوئة للاتحاد السوفييتي. وقد وصف دين آتشيسون وزير خارجية الرئيس الأمريكي هاري ترومان، أن نظام جنوب أفريقيا، أكثر نظام مستقر في هذه المنطقة. وليست أهمية جنوب أفريقيا تكمن في القضايا الجيوسياسية فحسب، ولكن كانت البلاد تزخر بكثير من المعادن والمصادر التي تحتاجها الولايات المتحدة، خاصة في الصناعات التكنولوجية المتقدمة. كما أن موقعها الاستراتيجي المسيطر على رأس الرجاء الصالح، يجعل من جنوب أفريقيا دولة مهمة في الخارطة السياسية الدولية.

ورغم الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية والجغرافية لجنوب أفريقيا، إلا أن نظامها السياسي، شكل عبئاً ثقيلاً على الدولة وأصدقائها، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وبدأت تبحث على تحالفات من دول منبوذة مثلها. وتطورت علاقاتها مع إسرائيل، والتي كانت هي الأخرى معزولة عن جيرانها العرب، بسبب الصراع المرير. ووصل حد التعاون بينهما، إلى درجة أنهما فجرا قنبلة نووية بالتعاون مع بعضهما، في 1979، حسب رواية وكالة الاستخبارات المركزية، السي آي إيه.

وبدأت حملة المقاطعات والضغط السياسي تشتد على جنوب أفريقيا. ورغم أن جنوب أفريقيا مرت بعدة تغيرات في الدستور، إلا أنها ظلت متمسكة بنظام الفصل العنصري. ولكن القوى الغربية، أبقت على دعمها لجنوب أفريقيا، وبقي تدفق رأس المال والاستثمارات مستمراً إلى جنوب أفريقيا. وقد ابتدعت جنوب أفريقيا خطة لاحتواء الضغوط الدولية، عبر خلق ما عرف بالبانتوستان.

والبانتوستان، عبارة عن منطقة مخصصة للسود، حسب المجموعات القبلية، مثل الزولو أو الخوسا وتهيل هذه المناطق ومنحها حكماً ذاتياً. والهدف أن تتطور هذه المناطق إلى دول مستقلة ذات سيادة، واعتراف دولي، ولكن في الواقع، تحت حكم نظام الأبارتاييد. ويسمح للنظام إخراج الأغلبية السوداء من النظام السياسي، والحفاظ بمخزون من القوة العاملة في هذه الأراضي المستقلة اسمياً. وفعلاً، منحت جنوب أفريقيا الاستقلال لبعض هذه الأراضي، تحت مسمى مثل ترانسكاي وكوازولو. ولكن لم تحظَ أي من هذه الدول بالاعتراف الدولي.

وفي خضم هذه المشاكل، جاءت الفرصة لدي كليرك ليبرز، كقائد للحزب الوطني، ورئيس للبلاد في عام 1989، لإخراج البلاد من العزلة والمقاطعة الاقتصادية، والحفاظ على استقرار النظام السياسي. ولم يرَ دي كليرك بداً من القيام بالإصلاح الجذري، والذي سينهي حكم الأبارتاييد. ففي فبراير 1990، قدم دي كليرك خطابه الإصلاحي في البرلمان، وبعد أيام، أطلق سراح الزعيم المناهض لنظام الفصل العنصري، نيلسون مانديلا، بعد أن قضى في السجن 27 سنة، بسبب نشاطه السياسي المناهض للأبارتاييد.

وشرع دي كليرك ومانديلا، في مفاوضات دقيقة وحساسة، وكلاهما متخوف من قاعدته الشعبية، سواء كانت الأقلية البيضاء، والذين كانوا مترددين في التخلي عن سيطرتهم على مقاليد النظام السياسي، أو السود الراغبين بالسيطرة على الدولة، بعد حرمان ومعاناة طويلة. وقد نجح الزعيمان في تخطي كل العقبات، وأخرجا دستوراً يعطي الحقوق السياسية لكل المواطنين، دون تفريق في اللون والعرق. وبذلك نال الاثنان جائزة نوبل للسلام في عام 1993.

وفي عام 1994، انتخب مانديلا كأول رئيس أسود للبلاد، وأصبح دي كليرك نائباً للرئيس. ولكن العلاقة بين الرجلين كانت دائماً متوترة. واستمرت العلاقة، وقد غادر دي كليرك السياسة إلى نشاطات أخرى. ولكن المرض الخبيث أصابه في مقتل. وبعد أن توفي، أذيع تسجيل للراحل، يعتذر عن المآسي التي سببها نظام الأبارتاييد للسود والهنود والملونين. وسيظل المؤرخون يتساءلون، هل دي كليرك كان ضرورياً لانتهاء نظام الفصل العنصري، أم الظروف جعلت منه أداة للتغيير.

 

* كاتب وأكاديمي

 

طباعة Email