00
إكسبو 2020 دبي اليوم

العلاقة بين العلوم وأثرها في بناء المجتمعات: علاقة تكاملية لا تعويضية

علومٌ كثيرة عرفتها البشرية في تاريخها وحاضرها، أسهمت وما زالت تسهم في تشكيل العمق الحضاري والثقافي للدول والمجتمعات المختلفة. علوم يتم تدريسها في المؤسسات الأكاديمية والمعاهد المتخصصة، تستهدف بناء العقول وإعداد المواهب البشرية التي يعتمد عليها في دعم عجلة الاقتصاد، وفي تسيير الأعمال والمهمّات في المؤسسات الحكومية والخاصة، وفي تحريك المفاصل والكيانات الاجتماعية المتعددة.

بعد هذا التقديم، نجد أنفسنا أمام السؤال المهم الآتي: هل ترتبط العلوم مع بعضها البعض بعلاقات تكاملية أم تعويضية؟ قبل طرح الإجابة الخاصة بهذا السؤال، لا بد من معرفة مدلول مصطلح علاقة تكاملية مقارنةً بمصطلح علاقة تعويضية. العلاقة التكاملية تنشأ بين عنصرين «أو أكثر»، أحدهما يكمّل الآخر، بمعنى أن وجود العنصرين مع بعضهما أمر لازم وواجب، في حين أن وجود أحد العنصرين بمفرده، لا يعوّض عن وجود العنصر الآخر. أما العلاقة التعويضية، فهي تلك العلاقة التي تنشأ بين عنصرين «أو أكثر» يمكن لوجود أحدهما أن يعوّض عن وجود العنصر الآخر.

بالعودة إلى السؤال المطروح آنفاً، يمكننا القول بأن العلوم ترتبط مع بعضها البعض عادةً بعلاقات تكاملية لا تعويضية، بمعنى أن الدول الرصينة لا يمكن أن تستغني بعلومٍ عن علومٍ أخرى، على اعتبار أن البنيان الحضاري للمجتمعات يعتمد على تداخل مخرجات العلوم المختلفة، وكذلك توافق وانسجام أهدافها، فضلاً عن علاقات التأثير والتأثر القائمة فيما بينها.

بالإمكان طرح أمثلة عملية تؤكد طبيعة العلاقات التكاملية وليست التعويضية بين العلوم، وسنجعل الأمثلة على شكل ثنائيات لتبسيط الفكرة. علم الفيزياء لا يعوّض عن علم النفس، وعلم القانون لا يعوّض عن علم الطب، وعلم الكيمياء لا يعوّض عن علم الإدارة، وعلم الاجتماع لا يعوّض عن علم الرياضيات، وعلم الإحصاء لا يعوّض عن علم الهندسة. الدول المعاصرة بحاجة لكل هذه العلوم مجتمعةً، كي تتمكن من الوصول إلى مصاف الدول المتقدمة، وللمنافسة على المراتب العليا في شؤون الحياة المختلفة.

ما يقال بشأن هذه العلوم ينسحب بطبيعة الحال على المهن والتخصصات المرتبطة بها، ذلك أن المجتمعات لا يمكن أن تكتفي بمهنةٍ دون أخرى. حياة الناس تستوجب وجود متخصصين في العلوم المذكورة سابقاً، وغيرها من العلوم الأخرى الكثيرة التي لا مجال لتعدادها في هذا المقام، الأمر الذي يُثبت أن مشهد التميز المجتمعي العام يعتمد على منظومة من العلوم والمهن والاختصاصات التي لا يمكن الاستغناء عن أي منها.

ما ذهبنا إليه في هذا المقال يقودنا للتأكيد على أهمية النظر بعين التقدير والاحترام إلى أصحاب جميع المهن والتخصصات الذين يوجدون في إطار المجتمع الواحد والعالم الواحد من دون الانتقاص من قيمة أي أحد منهم، مع التنبيه إلى أن الكثير من أصحاب المهن هم بمثابة جنود مجهولين يقومون بتأدية أعمال معينة قد لا يشعر بها البعض عند وجود من يؤديها، ولكن الجميع يفتقدها ويتمنى عودتها عند توقف أصحابها عن تأدية مهام عملهم.

في الوقت ذاته، ينبغي على جميع أصحاب العلاقة من حكومات ومؤسسات أن تقوم بأدوارٍ فاعلة في إحداث تغيير إيجابي في طريقة التفكير العامة لدى الناس لما فيه تعميق النظرة الإيجابية بشأن جميع المهن والتخصصات. أما فيما يتعلق بالأفراد، فإني أود التأكيد على الدور التربوي الذي ينبغي أن يقوم به المربون وأولياء الأمور تجاه الأطفال والنشء الجديد، إذ من الخطورة تحجيم مفهوم التميز في عقول الأطفال، فإذا نشأ الطفل معتقداً بأن مفهوم النجاح رديف لعلم أو تخصص معين دون غيره، واستمر هذا الاعتقاد معه طيلة سنوات حياته، سوف يؤدي ذلك إلى تحجيم مواهبه الذاتية وميوله الشخصية، وسيجعل تفكيره محصوراً بذلك التخصص. آن الأوان لنرتقي في تفكيرنا وندرك أن العلاقة بين العلوم المختلفة هي علاقات تكاملية وليس تعويضية، وأن مفهوم التميز وإطاره يمكن أن يضم كل العلوم، ويحتوي جميع التخصصات.

طباعة Email