العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    وفاة كبير المتشددين في بنغلادش

    عانت بنغلادش لسنوات طويلة من التنظيمات ذات التوجهات الدينية المتشددة من تلك التي استغلت مناخ البلاد الديمقراطي لتضفي الشرعية على نفسها.

    وعلى الرغم من محاولات حكومة دكا، لاسيما حكومات الشيخة حسينة واجد، المعروفة بتوجهاتها العلمانية، تقليم أظفار هذه التنظيمات عبر تقييد مصادر تمويلها واتصالاتها مع الجماعات المشابهة لها عبر الحدود، إلا أنها عرفت كيف تنجو بألف حيلة ووسيلة.

    في عملية مطاردتها، أكدت دكا دوماً خطورة هذه التنظيمات على أمن البلاد واستقرارها ووحدتها الوطنية، خصوصاً بعدما لجأت هذه الحركات للعنف المسلح وأعمال الشغب وتعطيل مصالح المواطنين. ناهيك عن مهرجاناتها الخطابية التحريضية، وشعاراتها المؤيدة لما تقوم به تنظيمات أجنبية مشابهة لها في الفكر والتوجه مثل القاعدة وداعش وجماعة الاخوان الإرهابية وغيرها.

    توفي «جنيد بابونغري» بالفشل الكلوي عن عمر ناهز السبعين عاماً الشهر الماضي. تولى في نوفمبر 2020 قيادة ما يـُعرف بـ «جماعة حفظة الإسلام»، من بعد أن كان نائباً لزعيمها السابق «شاه أحمد شفيع» منذ عام 2012. وتعتبر «حفظة الإسلام»، التي تأسست عام 2010، من أكثر الحركات تشدداً في بنغلاديش، بل من أكثرها لجوءاً إلى أعمال الشغب والعنف.

    وهي في الوقت نفسه تسيطر على آلاف المدارس الدينية الصغيرة المنتشرة على امتداد بنغلاديش ذات الـ 169 مليون نسمة، والشبيه بالمدارس التي خرّجت مقاتلي حركات متشددة. في هذه المدارس، التي لم تنجح الحكومة في اجتثاثها أو التحكم في مناهجها، يدرس ملايين الطلبة الصغار ويعمل مئات الآلاف كمعلمين.

    وهذا خلق لها أتباعاً كثراً، لاسيما في مدينة تشيتاغونغ، مسقط رأس جنيد بابونغري وثانية كبرى مدن بنغلاديش. ولعل أكبر دليل على صحة ما نقول أن جنازة الأخير والصلاة عليه في تشيتاغونغ شارك فيها أكثر من 800 ألف شخص.

    وللمعلومية فإن جماعة «حفظة الإسلام» اتهمت في أكثر من مرة بمسؤوليتها عن أعمال العنف في السنوات الأخيرة، لكن دون أن تنجح الحكومة في استصدار قانون بحظرها وحظر مدارسها رسمياً (مثلاً تحركت الحكومة قبل سنوات وقدمت اقتراحاً في البرلمان لإنهاء وجود مدارس دينية خارج سيطرة وزارة التعليم، فقوبل اقتراحها بمسيرة انتهت بمقتل 19 متظاهراً ورجل أمن)، وذلك تفادياً لغضب وشغب أنصارها الكثر ممن غـُرس في أدمغتهم أن أي قرار تصدره الحكومة ضد تنظيمهم هو قرار ضد الدين.

    من تلك الأعمال، قيام الجماعة في عام 2013 بتظاهرة ضخمة في دكا للمطالبة بتغليط العقوبات ضد التجديف، انتهت بالتخريب ومقتل 12 شخصاً. ومنها أيضاً مظاهرات متفرقة خلال الأشهر الأخيرة ضد زيارة رسمية كان يعتزم القيام بها إلى بنغلاديش رئيس الحكومة الهندية ناريندرا مودي.

    قد تكون حكومة «الشيخة حسينة واجد» اليوم في حالة ارتياح من غياب أكبر مناوئ لها في الساحة السياسية. غير أن ارتياحها هذا لن يطول. فلجنيد بابونغري أتباع كثر من المتشددين كما قلنا وعلى رأسهم «نور الإسلام جهادي» الذي يستعد لخلافته على ما يبدو. هذا ناهيك عن أن غياب فرد لن يسدل الستار على مشروع أيديولوجي قديم مغلف بغلاف ديني يغري البسطاء وأنصاف المتعلمين.

    والمعروف أن جماعة «حفظة الاسلام»، خرجت من تحت عباءة «الجماعة الاسلامية البنغلاديشية» التي كانت إلى وقت قريب أكبر تنظيم إسلامي في شبه القارة الهندية، وكانت تدين بتعاليمها إلى الباكستاني أبي الأعلى المودودي، وتدين بنموها وتشعبها ودخولها السلطة بحمل حقيبتين وزاريتين قبل سنوات إلى حزب بنغلاديش الوطني بقيادة رئيسة الحكومة السابقة «خالدة ضياء» التي تحالفت معه ومكنته لأغراض انتخابية.

    هذا قبل أن تحظرها الحكومة الحالية وتحكم بالإعدام ضد زعيمها مطيع الرحمن نظامي عام 2014 وتنفذ الحكم فيه عام 2016 بتهمة تعاونه مع القوات الباكستانية ضد مواطنيه البنغال في حرب عام 1971 التي انتهت بقيام دولة بنغلاديش المستقلة.

    وكان إعدام نظامي بموجب حكم من محكمة جرائم الحرب التي أسستها حكومة حسينة واجد سنة 2009، وهي نفس المحكمة التي أصدرت أحكاماً مشابهة بالموت ضد قادة آخرين من الجماعة الإسلامية في سنوات متفرقة مثل: أزهر الإسلام ومير قاسم وعبدالقادر الملا وغلام أعظم، بتهمة التعاون مع العدو في حرب الاستقلال واحتجاز النساء واغتصابهن على أنهن من سبايا الحرب والتجسس على مقاتلي الحرية وغير ذلك من التهم.

    *أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

     

    طباعة Email