العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    العملات المشفّرة والرقمية!

    تتجه معظم أدبيات أسواق المال والأعمال نحو الحديث دائماً عن العملات المشفرة ويُظنُّ بها، وهماً، أنها تعني أيضاً العملات الرقمية؛ وعلى الرغم من أن أصل فكرة العملات الرقمية مبعثه أدبيات العملات المشفرة، وعلى الرغم من تداخل الثانية مع الأولى، إلا أن تطورهما وازدهار حقليهما يشير إلى الاستقلالية التي وصل إليها كلا المصطلحين فيما يعنيه ويختص به.

    بدأت العملات المشفرة مشوارها كفكرة افتراضية في أوراق لباحثين في ثمانينات القرن الماضي، ثم اتسعت دائرة الحديث عنها حتى بلغ أوجه في العقد الأول من هذا القرن، إذ ذلك دخلت حيز الممارسة العملية بعد الدخول في العصر الاقتصادي الرابع، وهو عصر المعرفة، إبّان انهيار الاقتصاد العالمي، وتم تداولها الفعلي من خلال تطبيق البلوك تشين أو «دفتر الأستاذ» الذي يدوّن عليه حسابات عمليات التعدين الإلكتروني وأرصدة العملات المشفرة؛ واستمرت هذه الأنواع من العملات المشفرة في التكاثر والتفريخ وتعالي قيمتها السوقية حتى وصل عددها إلى ما يربو على 1700 عملة مشفرة، على رأسها البيتكوين، والتي بلغت قيمتها الشرائية ما يزيد على 60 ألف دولار للبيتكوين الواحد.

    ولأنّ ثمة مخاطر كثيرة تهيبتها الحكومات في كل دول العالم وتحذرت من وقوعها بسبب العملات المشفرة، فيما لو أجازت تداولها في سياق تعاملات الناس المالية والاقتصادية، كون استخداماتها تقع في دائرة الشبكات المظلمة Dark Web ، فما كان منها سوى أن توجهت نحو العملات الرقمية، ولكن مع احتفاظها بخصوصيتها البحتة من حيث تصميمها لمحفظتها الإلكترونية الخاصة بعملتها الرقمية، بالإضافة إلى رمزها الوطني الذي تحمله عملتها الرقمية وتختزله في تسميتها الرمزية.

    لقد كان قرار التحول الرقمي، لدى أغلبية الحكومات في العالم، في تعاملاتها المالية والاقتصادية تماشياً مع ما يفرضه ويوفره النظام المعرفي من أدوات ووسائل رقمية تكنولوجية، بالإضافة إلى سعيها، من خلال ذلك، إلى الحفاظ على اقتصادها من الانهيار، والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

    ويمكن أن نلمس الفرق بين العملات المشفرة والعملات الرقمية في نمط المحافظ الإلكترونية، فدفتر الأستاذ أو «البلوك تشين» في العملات المشفرة ليس المحفظة الإلكترونية في العملات الرقمية، فالأول يختص بعمليات التعدين بالإضافة إلى كونه لا يكشف هوية من قاموا بتحويل أرصدة العملات المشفرة الموجودة في البلوك تشين، وبالتالي يصعب تتبع مصادر الأموال، في حين أن المحافظ الإلكترونية في العملات الرقمية تمتاز بالشفافية والشمولية في المحتوى، فهي تحتوي على كل التفاصيل الخاصة بعمليات استلام وتحويل الأموال التي تتم من خلالها، بالإضافة إلى أنها يمكن أن تتضمن تفاصيل للتعاملات الأخرى، مثل تفاصيل فواتير المعيشة للإنسان كفواتير الهاتف والإنترنت والماء والكهرباء وفواتير الشراء من السوبرماركت والمصاريف الدراسية للأبناء... إلخ، إنها تمثل دفتراً حسابياً يشمل كل احتياجات الأسرة ومتطلباتها وتعاملاتها المالية، وهي على قدرٍ عالٍ جداً من الشفافية؛ عدا ذلك فإنّ العملات الرقمية تختزل في قيمتها الشرائية القيمة الشرائية ذاتها المختزنة في العملات الورقية، فهي التصور الرقمي بحذافيره للعملات الورقية، وبخلاف البيتكوين وبقية العملات المشفرة التي هي صنيعة نفسها ولا تعبّر عن أي عملة ورقية سابقة.

    أما القاسم المشترك بين المحافظ الإلكترونية للعملات المشفرة والعملات الرقمية، فهو أنّ كليهما يلغيان المركزية بكل أشكالها، كما وينعدم بهما تماماً وجود الطرف الثالث أو الوسيط الذي كنا نجده دائماً في عمليات التحويلات المالية، كالبنوك وشركات الصرافة، وكذلك مكاتب تسديد الفواتير، وما إلى ذلك من تعاملات مالية كانت تشترط وجود وسيط أو طرف ثالث.

    طباعة Email