العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    إلى الذين لا يفكرون

    شعارات يرفعها الحوثيون بأيديهم، ويلصقونها على زجاج سياراتهم ذات الدفع الرباعي والمعززة بالأسلحة الرشاشة منها «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» «النصر للإسلام» . أجل هذه هي شعارات الحوثيين في اليمن. لن نتدخل في وعيهم هذا، وهذه شعارات دعائية هي محاولة أيديولوجية لخلق عصبية بين أنصار الحوثي.

    لكن السؤال المنطقي والمهم هو: ما علاقة كل هذه الشعارات باحتلال صنعاء، وحصار تعز، والهجوم على مأرب؟ ما علاقة «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» بالهجوم على أبين وزج المئات في حرب مع الجيش اليمني؟ ما علاقة النصر للإسلام بقتل المسلمين؟

    حين نطرح هذه الأسئلة لا يجاب عنها، بل ينبري هذا الشخص أو ذاك إلى شتم السائل ويستغرب وقوفنا ضد العصابات الحوثية.

    سنفترض بأن الحوثيين احتلوا كل اليمن، وأعادوا الإمامة نظاماً للحكم، سنفترض بأن داعميهم بعثوا مندوباً سامياً ليحكم اليمن من وراء ستار، سنفترض بأن الحوثيين إذا احتلوا اليمن كلها صارت اليمن جنة خضراء، سنفترض كل هذا قد تم فهل ستزول إسرائيل من الوجود، وتموت أمريكا؟ طبعاً لا.

    إذاً ما هذه الشعارات إلا مجموعة من الأكاذيب لإخفاء أمر واحد وحيد ألا وهو حرب من أجل السلطة والسيطرة على اليمن.

    هذا العبث الذي يزهق الأرواح لا يمكن أن يقود إلى يمن سعيد أبداً، بل إلى يمن لن تنتهي فيه الحرب إلا بهزيمة الحوثيين الذين يتناقضون لا مع منطق العصر فقط، وإنما مع منطق اليمن الذي أزال الإمامة ومازال يشق الطريق نحو القطيعة مع البنى القديمة، أيضاً.

    لكن القطيعة مع البنى القديمة واقعة تاريخية قد تطول، والصعوبة في التجاوز أو الفشل في التجاوز لا يعني العودة إلى بنية قديمة تنتمي إلى عصر بائد. نحن الآن أمام نوعين من اليمن: يمن يسعى لأن يكون دولة طبيعية فيها اختلاف وأحزاب وانتخابات واعتراف بموقع القبيلة كحالة تنتمي إلى التقاليد اليمنية، واقتصاد عصري وعلاقات مع دول العالم، وهذا ما تمثله الحكومة الشرعية، ويمن موجود في عقل الحوثيين المتخلف الذي يسعى لإعادة اليمن إلى عصور الظلام.

    أيضاً نحن أمام منطقين: منطق الميليشيات المسلحة، من الحوثي إلى حزب الله التي تضحّي بأبناء الجنوب في حروب عبثية، أي منطق ضد الدولة، هذا من جهة، ومنطق الدولة بالمعنى الحقوقي والدولي والوطني.

    والسلطة الميليشياوية ليست سلطة دولة، بل تبحث عن دولة سلطة، دولة تملكها سلطة ميليشياوية. فالعنصر الذي يعرقل انتقال العراق إلى منطق الدولة هو ميليشياته المتمثلة بـ«الحشد الشعبي». وحزب الله في لبنان قتل الدولة حتى في صيغتها الطائفية. وذهاب هذه الميليشيات إلى خارج حدودها ما هو إلا استراتيجيا دولة ميليشياوية.

    إذاً الصراع الدائر في اليمن هو صراع بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا، منطق الدولة الوطنية ومنطق السلطة الميليشياوية.

     

    * كاتب وأكاديمي فلسطيني

    طباعة Email