العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    درسٌ في محبة الشعب.. قراءةٌ في أفكار صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد

    تحت وسم «علّمتني الحياة» الذي هو واحدٌ من أجمل الوسوم التي اختارها وبعناية باهرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، تمّ نشر مقطع فائق الروعة يستلهم دروس الحياة، ويجمع على نحوٍ متفرد بين مفهوم الوطن والشعب من خلال طاقة الحب والانتماء، ويُعيد صوغها من خلال منظور تعليمي يتجلى في هذا الوسم الذي أصبح جزءاً من ثقافتنا ووعينا المجتمعي، إذ يلخّص فيه صاحب السمو رؤيته العميقة للحياة، ويصوغها بلغةٍ واضحةٍ مؤثّرة تضمن وصول الرسالة التي يريد صاحب السموّ لها أن تصل إلى الوجدان العام للشعب وقلب الإنسان مهما اختلف به الزمان والمكان.

    تلازم

    «علّمتني الحياة: مَنْ أراد أن يخدم الوطن فليخدم الشعب» بهذه اللغة الواضحة الجازمة يؤكد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد التلازم العميق بين الوطن والشعب كقيمتين أخلاقيتين ربما تبادر للذهن أنّ هناك انفصالاً بينهما، وأن الوطن قد يكون مجرد عاطفة سامية يشعر بها الإنسان تجاه تراب بلاده، وهو شعورٌ مقدورٌ عليه ولعله لا يكلّف شيئاً إلا في ساعات الكرب التي يتعرض فيها الوطن للخطوب والكروب، فهناك تظهر معادن الرجال، ويتمّ تمحيص الدعاوى التي يتغنى بها كل إنسان في محبة الوطن، وهناك نعرف من بكى ممّن تباكى، ولكن صاحب السمو ينتقل بفكرة الوطن المثالية التجريدية إلى السياق المحسوس الذي يتم من خلاله اختبار عاطفة الإنسان تجاه وطنه ألا وهو خدمة الشعب، وتقديم أقصى طاقة في سبيل الارتقاء بنوعية الحياة المادية والمعنوية للشعب، فهذا هو المحك العملي لجميع العواطف والمواقف الوجدانية التي تتغنى بحب الوطن، تماماً كما جعل الله سبحانه وتعالى متابعة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم هي الدليل على محبة العبد لربه فقال سبحانه في تمحيص مواقف القائلين بالمحبة: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} (آل عمران: 31)، وههنا يستلهم صاحب السموّ هذه الرؤية القرآنية في تمحيص المواقف النظرية ليمحصها بالتطبيق والبذل، فوضع النقاط على الحروف وقال بلغة واضحة مفهومة: إنّ الصورة الحقيقية العملية لمحبة الوطن وخدمته هي خدمة الشعب والقيام على مصالحه، والسهر على راحته، فمن فعل ذلك فهو المحبّ لوطنه الخدوم لشعبه، الذي جمع بين صدق القول والعمل، وما عدا ذلك من المواقف والمشاعر فهو مجرد دعوى فارغة لا برهان عليها سوى ما جزم به صاحب السموّ من ضرورة التلازم الدائم بين الشعب والوطن في الخدمة والمحبة.

    حب الإنسان

    «من يقول: إنه يحب الوطن فليحبّهم، ويحبّ الخير لهم، ويضحّي من أجلهم» وإذا كان القسم الأول من كلام صاحب السموّ مِحكّاً عملياً لعاطفة الحب من خلال خدمة الشعب، فإنّ هذا القسم هو المحكّ الوجداني الصادق لتلك الدعوى، فحب الوطن يستلزم بالضرورة حُبّ الإنسان الذي يعيش على تراب هذا الوطن، لأن الحب هو الدافع الأكبر للعمل والإنجاز، وحبُّ الإنسان لأخيه الإنسان سيدفعه بكل تأكيد إلى تمني الخير لإخوانه وشعوره بالمحبة والسعادة حين يراهم مغمورين بالخير والعافية، لا بل سيكون الحب هو دافع التضحية من أجل الوطن وأبناء الوطن، والتضحية بالنفس والمال والوقت هي أرقى أشكال الحب وأعلى مظاهره وتجلياته، فعلى هذه الأركان الثلاثة: حب الناس، وحب الخير لهم، والتضحية من أجلهم، تقوم معادلة الحب للوطن والشعب في نظر صاحب السموّ وفلسفته للحياة.

    تعاليم بوراشد

    «فإنهم هم الوطن، وما سواهم فمجرد تراب فوقه تراب» وهذه «الفاء» في قول صاحب السمو «فإنهم» هي التي يسميها النحاة فاء السببية والتعليل، فجميع ما مرّ من تعاليم بوراشد مُعَلَّلٌ بأنّ هذا الشعب في جوهره هو الوطن، وقد صاغ هذه العبارة بمنتهى التأكيد من خلال نون التوكيد، وضمير الفصل «هم» في إشارة إلى منزلتهم العالية في نفسه، حين يجعل منهم موازياً للوطن، وغير خافٍ على أحدٍ عمق محبة الوطن في وجدان صاحب السموّ، ولكنه وتأسيساً على عمق هذه المحبة يريد أن يقول لنا: إنّ الإنسان هو الوطن، وهو ما تمّ توضيحه في خاتمة العبارة البديعة «وما سواهم فمجرد ترابٍ فوقه تراب» فكلّ ما تراه من مظاهر البنيان الشاهق، ومعالم الحياة المتقدمة، وملامح التقدم والتطور لا قيمة لها إذا لم تكن في خدمة الإنسان، وكانت سبباً في سعادته، فالإنسان هو الكنز المذخور في نظر صاحب السموّ، وما عدا ذلك فهو أدنى قيمة من الإنسان، وهل يأخذ الوطن قيمته ودلالته إلا بعد أن يتجذر في قلب إنسانه كخيمة يستظل بظلها كل من يمشي على ترابه، ومن أراد أن يختبر هذه الحقيقة فليتخيّل وطناً بلا شعب، فمن أين يستمدّ قيمته وعنفوانه؟ ومن أين يستحقّ فكرة الوطن حين تخلو ربوعه من روعة الإنسان وجمال وجوده وبهاء حضوره الثمين الجميل.

    وكأني بصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يلتفت في هذه الجملة الأخيرة إلى أبي فراس الحمداني حين خاطب سيف الدولة مُقدّماً صورة بديعة للحب الصادق حين قال:

    إذا صحّ منك الوُدّ فالكلُّ هيّنٌ

    وكل الذي فوق التراب ترابُ

     

    طباعة Email