العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    السياسة الخارجية الإماراتية إلى آفاق أرحب

    يجسد فوز دولة الإمارات العربية المتحدة بمقعد في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، المكانة الدولية الرفيعة التي تتمتع بها الدولة، وارتقائها إلى الصفوف الأمامية في المجتمع الدولي. ولم تكتسب الإمارات مكانتها المرموقة بين دول العالم إلا عبر عمل دؤوب حرصت عليها مؤسساتها الوطنية للرقي بالعمل الدبلوماسي الخارجي.

    ويمثل هذا النجاح الدبلوماسي إضافة جديدة إلى سلسلة طويلة من النجاحات التي رسّخت مكانة دولة الإمارات كعضو فاعل في المجتمع الدولي يحظى باحترام وتقدير واسع النطاق، كما يتجسد ذلك بفوزها في استضافة أحداث دولية كبرى مثل «آيرينا» و«إكسبو2020 دبي».

    ولأجل فهم هذه النجاحات المتتالية علينا أن نعي السياقات التاريخية والتحولات التي شهدتها السياسة الخارجية لدولة الإمارات.

    فقد كانت الإمارات عند تكوينها منشغلة بترتيب بيتها الداخلي، ووضع اللبنات الأولى للاتحاد وتحقيق التنمية والتطور الداخلي التي حرمت منها هذه البلاد لقرون عدة. ورغم ذلك أدرك الآباء المؤسسون من قادة الاتحاد أهمية البعد الإقليمي والدولي لاستقرار الاتحاد والمنطقة، وسعوا بكل ما أوتوا من قوة وعزيمة بتوسيع العلاقات الدبلوماسية مع الأشقاء والأصدقاء، ومختلف دول العالم، والقيام بدور نشط في دعم مسيرة التنمية في الكثير من أرجاء العالم، حيث برزت الدولة في صدارة أكثر الدول المانحة للمساعدات في العالم.

    وبعد توطد دعائم الدولة، توسعت دوائر الاهتمام في سياسة الدولة الخارجية. وتقول الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيس مركز الإمارات للسياسات، في كتابها الجديد «نموذج دولة الإمارات في بناء القوة وتحولات سياساتها الخارجية»، إن سياسة الدولة شهدت تحولاً كاستجابة للتحديات التي طرأت على المنطقة.

    ومن أهم هذه التحديات، التي واجهت دول المنطقة هي غزو العراق للكويت في 1990. وما نتج عنه من تغيرات كبيرة في المنطقة، وخاصة في مفهوم الأمن الجماعي. وقد دفع دول المنطقة للبحث عن مفاهيم جديدة لمواجهة التهديدات المستجدة.

    وقد واصلت القيادة الرشيدة التي تولت مقاليد الحكم بعد الآباء المؤسسين في تكوين القدرات الذاتية للدولة للذود عن حياضها. وقد استحوذ تطوير القوات المسلحة بحيز كبير من العتاد والتدريب والاستعداد القتالي، وأثبتت التجربة مدى تطوّر هذه القوات.

    وتعد اليوم القوات المسلحة في دولة الإمارات من أكفأ القوات في المنطقة، وقد شهد بذلك كثير من المحللين والخبراء العسكريين مثل الجنرال جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي السابق، وأنثوني زيني، قائد قوات المنطقة الوسطى.

    كما أدركت الدولة أهمية تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط كمصدر ناضب ومعرض للتذبذب في أسعاره، وقد استطاعت الدولة أن تخطو خطوات كبيرة في هذا المجال، وغدا النفط يشكل ثلث الاقتصاد الوطني. وتوسعت في مجالات البنية التحتية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في فترة وجيزة، وشكلت هذه القوة الاقتصادية المتنامية عضداً مهماً للسياسة الخارجية.

    ولم تتوقف الدولة عند تكوينها للقوة الذاتية فحسب، بل إنها سعت لتكوين تحالفات لتحقيق المصالح الوطنية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي. وكان للعلاقات مع الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، موقع متميز لما لهذه الدول من تأثير على المنطقة والعالم إلى جانب تعزيز العلاقات مع دول رئيسية مثل الصين وروسيا والهند، كما قامت الإمارات بدور حيوي في تعزيز الوسطية والاعتدال وإنفاذ القوانين والأعراف الدولية.

    وفي هذا المضمار لم تتقاعس الدولة في تحقيق سمعة طيبة وتوظيف قوتها الناعمة لتحقيق أهدافها وسياساتها. وأعلنت حكومة الإمارات عن إنشاء مجلس للقوة الناعمة برئاسة وعضوية كبار رجال الدولة، لما توليه من أهمية لهذا العنصر من عناصر القوة. وتسعى الدولة من خلال هذا المجلس إلى القيام بمهام هي: أولاً، تعزيز سمعة ومكانة الإمارات إقليمياً وعالمياً وترسيخ احترامها بين الشعوب، ثانياً رسم السياسة العامة واستراتيجية القوة الناعمة لدولة الإمارات، ثالثاً مناقشة واقتراح المشاريع والمبادرات الداعمة للقوة الناعمة، رابعاً تحديد مجالات منظومة القوة الناعمة، خامساً اقتراح ومراجعة التشريعات والسياسات المؤثرة على سمعة دولة الإمارات».

    وفي المرحلة المقبلة، ستكون الإمارات في المصاف الأولى للدول لمواجهة عالم ما بعد «كورونا»؛ وجزءاً من حالة التعافي الدولي من الجائحة التي لم تبقِ ولم تذر. فمع وجود القيادة الحصيفة والإمكانات، ليس هناك مستحيل، وهو ما أكدته تجربة دولة الإمارات مراراً وتكراراً.

    *كاتب وأكاديمي

    طباعة Email