العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    دقّات مسؤولة

    من أنت في الواقع؟ ومن أنت في الواقع الافتراضي؟ إن أتت الإجابتان متناقضتين أو متنافرتين، أو لا علاقة ببعضهما البعض، فهذا يعني أن عليك أن تفكر مرتين قبل أن تدق دقاتك اليومية لتدخل عالمك الافتراضي. نحو عقد ونصف مضيا منذ غزونا العوالم الافتراضية، المسمّاة منصات التواصل الاجتماعي، بكل قوتنا وحماستنا. تبدو سنوات قليلة، لكنها أنجزت الكثير، وغيّرت وعدلت، وربما أفسدت ما هو أكثر. والأهم أنها كشفت أوجهاً جديدة للحياة، لم تكن في الحسبان.حسبنا أن التعبير الافتراضي والتمكين الرقمي، هما غاية المنى وكل الأمل. حتى سنوات قليلة مضت، لم يكن أحد يتطرق من قريب أو بعيد، إلى قواعد أو سلوكيات للتعبير الرقمي. أصبح هذا النوع من التمكين، غاية، دون النظر إلى الوسيلة أو الفضيلة، لا سيما بين شعوب اشتاقت كثيراً إلى حرية التعبير. وساهمت ضغوط غربية عديدة في التعجيل بهذا النوع من التمكين، وتحوّله من وسيلة إلى غاية في حد ذاتها، دون النظر إلى مغبة الدق على لوحة التمكّن للانتقام، أو بث الفتنة أو نشر التطرّف، أو خلق عوالم خيالية موازية، لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع، ومن ثم رفع سقف التوقّعات عنكبوتياً، ودكّها دكّاً واقعياً.

    واقع التعبير الرقمي في العديد من الدول العربية، يقول إن الدق دون هوادة أو مسؤولية على لوحة التحكّم، قد يكون فيه سم قاتل. وهو سم لا يقف عند حدود من يدق، بل بحكم طبيعة العوالم الافتراضية، يمتد أثره ويتوغل ويتغوّل في غفلة من الزمن الحقيقي إلى الملايين. والعقد الأخير المسمى بـ «عقد الربيع العربي»، خير مثال على ذلك. فما بدا أنه دمقرطة حميدة، وتمكين جميل، تحول في غمضة عين إلى استقطاب وفرقة وفتنة، ونشر للأكاذيب وبث للفوضى.

    ولأن هناك خطاً رفيعاً بين أن تكون شخصاً مسؤولاً يدرك أثر ما يدوّن ويغرّد وينشر ويعيد نشر ويختار «لايك»، وبين أن تكون شخصاً محتاجاً لقيود الحجب والمنع والرقابة والتضييق، فإن منصات التواصل الاجتماعي، تحوّلت إلى اختبارات يومية، تقدم لنا ملايين النماذج، لما يمكن أن تقوم به دقات غير مسؤولة، في هدم أوطان وتغيير معالم بلدان بكاملها.

    القواعد لا تعني منعاً وقهراً. وهي ليست وأداً لديمقراطية، أو خنقاً لإبداع. لكنها سمة من سمات الديمقراطية، حيث حرية الرأي والتعبير والحصول على المعلومات وتداولها، لكن تنظمها قوانين، وإلا تحول الأمر إلى فوضى غير خلاقة.

    الفوضى غير الخلاقة، التي تدور رحاها على أثير مواقع التواصل الاجتماعي، كادت تجر دولاً في المنطقة إلى خراب كامل، تحت مسمى رياح ربيعية، تحمل نسائم الحرية والديمقراطية. لكن ليس كل ما يلمع ذهباً. فقد أثبت عقد كامل من الدق العربي على لوحات التحكّم العنكبوتية، أن الدق المسؤول مفقود. مرة أخرى، الدق المسؤول، لا يعني فرض رقابة وحجب ومنع، بل فرض قواعد الشعور بالمسؤولية، حبّذا لو تأتي من قرارة نفس المستخدم، قبل أن يتم فرضها رسمياً.

    وبينما تقترب ذكرى 30 يونيو (حزيران) 2013، التي أنقذت مصر والمنطقة من براثن الإسلام السياسي، الذي أوشك على إحكام قبضته على الرقاب، ومن بعدها البلاد والعباد، حري بنا أن نفكر في الجانب العنكبوتي من مجريات «الربيع العربي» في مصر والمنطقة. راحت سكرة التحرر والتمكين والتعبير العنكبوتي بلا حدود، وجاءت فكرة «وماذا بعد؟».

    وماذا بعد الحرية المكتسبة؟ هل نمضي قدماً في الدق دون هوادة أو فكرة أو غاية؟ أم نفكر في ما نريد؟

    في عام 2019، أشار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، إلى عشر مميّزات ينبغي للشخصية الإماراتية أن تتحلى بها على وسائل التواصل الاجتماعي. وهي بمثابة خارطة طريق للمستخدم المسؤول، الذي يبتغي صناعة محتوى رقمي ناجح ذي تأثير جيد. فبين الابتعاد عن السباب، والالتزام بالمنطق في الحوار، والاندماج مع المحيط العالمي، مع التحلي بالثقة بالنفس، والتواضع وقبول الاختلاف، يمكن لرواد وناشطي التواصل الاجتماعي، أن يكونوا قوة بناء، بدلاً من أن يكون بعضهم معاول هدم، وأدوات خراب. الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قال قبل عامين، إن منصات التواصل الاجتماعي كغيرها من الأدوات، لها إيجابيات وسلبيات، وعلى المستخدم أن يكون على قدر من المسؤولية والحكمة، لتكون استخداماته وسيلة للبناء والتعمير، وليس الهدم والتدمير.

     

    * كاتبة صحافية مصرية

    طباعة Email