العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    ما وراء التقرير المنتظر

    أمر الرئيس الأمريكي جو بايدن أجهزة استخباراته بمضاعفة جهودها في تقصّي أصل الفيروس المتسبّب في تفشّي وباء فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19»، على أن يتلقى تقريراً مفصّلاً نهائياً بهذا الصدد في غضون تسعين يوماً لا أكثر.

    هذا التوجيه الذي صدر بصيغة صارمة في أواخر مايو الماضي، أكد إعادة إدراج قضية البحث عن مصدر الفيروس اللعين ضمن الاهتمامات الملحّة على الرئاسة الأمريكية، وذلك بعد أن نالها بعض الفتور منذ النصف الثاني من العام الماضي.

    إلى هنا يبدو الأمر طبيعياً، لاسيّما بعد أن حصد الوباء أرواحاً من الأمريكيين، يزيد عددها عن مجموع الذين قضوا نحبهم في حروب بلادهم ومعاركها منذ بداية القرن العشرين.

    لكن ما يلفت الانتباه ويثير التساؤل هو اقتران عودة تعويم هذا الاهتمام بتجدّد الإشارات الأمريكية، حول دور الصين ومختبراتها في تسرّب الفيروس أو تسريبه، ويفهم ذلك من سرعة احتجاج السلطات الصينية على مثل هذه التلميحات، بل والرد بأن «الفيروس ربما تسرّب من مختبر أمريكي».

    هناك والحال كذلك نوع من التلاوم والاصطكاك البارد والتربّص المتبادل بين واشنطن وبكين، بشأن المسؤولية عن انتشار الوباء.. غير أن هذا الملف لا يمثل على الأرجح سوى واحد من الرؤوس الطافية لجبل الجليد الكامن تحت سطح علاقة التنافس والتدافع، الاقتصادية بخاصة، بين هاتين القوتين.

    وفي هذا الإطار، تطغى على الخطاب الأمريكي الموصول بهذه العلاقة مخاوف واضحة من احتمال خسارة هذا السباق، وما يستتبع ذلك من اهتزاز لمكانة الولايات المتحدة على قمة النظام الدولي.

    هذا الاستشعار ليس وليد زمن الوباء، وإنما تراكم على مهل خلال الثلاثين عاماً الماضية، حين راحت التحليلات تتوالى حول النمو الصيني المطّرد في الاقتصادات العالمية مقابل التراجع والارتباك الأمريكي.

    منذ بضعة أعوام في باريس، أشار تييري دو مونبريال، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، إلى ما يعتبره ظاهرة ثابتة ومتصلة محورها علو شأن الاقتصاد الصيني لما يقرب من أربعة عقود بمعدل يراوح حول 10%، بينما لم يزد هذا المعدل أمريكياً للفترة ذاتها عن 4%.

    وقتذاك رشّح مونبريال الصين إلى دور القوة المهيمنة عالمياً، بينما اعتقد أن الاختلالات المالية الاقتصادية والمالية العامة، ربما ساقت الولايات المتحدة إلى دائرة القوى العادية. وذهب إلى أن مركز القوة الأولى عالمياً يليق بالصين بأكثر مما يناسب اليابان..

    فالصين «تملك معطيات سكانية وموارد طبيعية ومساحة جغرافية تؤهلها لهذا المركز، علاوةً على شتات قوامه نحو 50 مليون صيني يضطلعون بدور مالي كبير في آسيا، ما يزكّيها كقوة مالية تنافس الدولار (والين) بشكل حقيقي.. ثم إن الصين، خلافاً للدول الغربية على جانبي الأطلسي، تتصدّى لمشكلتي البطالة والفقر وتوابعهما بدون انزعاج أو تسرّع».

    المدهش أنه في الوقت الذي كان مونبريال يعرض لهذا التشوّف الاستراتيجي، طرح الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون أفكاراً مماثلة تقريباً، فحواها أن بلاده راحت تفقد نفوذها كقوة عظمى وحيدة بالنظر إلى النمو الاقتصادي السريع لقوى أخرى كالصين والهند.. واعتبر أن الولايات المتحدة بحاجة إلى إصلاحات تضمن ديمومة تقدّمها الصناعي.

    الشاهد أن تضعضع مساحة القوة الاقتصادية الأمريكية بالتوازي والتواكب مع الصعود الاقتصادي الصيني، وبخاصة بعد خروج الصينيين من قمقمهم الجغرافي والتواصل بدأب مع عوالم الآخرين، من الظواهر اللافتة بقوة. ولا أدل على ذلك من بروز التدافع الاقتصادي بالمناكب بين القوتين على الساحة الأفريقية. وهو أمر صار يغري بعض الاستراتيجيين إلى المبالغة بالقول إن أفريقيا مقبلة بخطوات حثيثة على العصر الصيني.

    مداخلتا مونبريال وكلينتون تؤكدان مجدداً صحة التوقعات السلبية الموصولة بمستقبل الأحادية القطبية الأمريكية، لكن ما ينقصهما هو الاستنكاف عن الاستطراد إلى أسباب النكوص الاقتصادي الأمريكي مقابل الازدهار الصيني.

    وتقديرنا أن الظاهرة لا تعود إلى كسل وتواكل أو اعتلال علمي وتكنولوجي أصاب الأمريكيين، مقابل روح وثّابة وعقلية إبداعية حطّت على الصينيين. الأمر وما فيه عند الكثيرين من أهل الذكر، أن الأمريكيين باتوا ينفقون بمعدلات تفوق بكثير ما كان عليه حال أية قوة عظمى عرفها التاريخ.

    سيأتي تقرير الاستخبارات المزمع في بيئة أمريكية صينية متوترة.. وقد غضبت بكين لمجرد الظن بأنها المقصودة بهذه الخطوة، فكيف الحال إذا ما تضمن التقرير شيئاً عن ضلوعها في نشوء قصة الوباء بكل تداعياته المؤلمة؟!

    * كاتب وأكاديمي فلسطيني

     

    طباعة Email