النكبة، الحرب، وآفاق السلام

احتفى الفلسطينيون بالذكرى الثالثة والسبعين للنكبة في 15 من مايو المنصرم، في جو من الوجوم يحاكي أحداث العام 1948، حين خسر معظم الفلسطينيين أملاكهم وأرضهم والبعض أرواحهم. وقد نسجت أساطير عديدة حول النكبة وأسبابها. وألقى المنتصر اللوم على الدول العربية التي شجّعت الفلسطينيين على الهجرة والرحيل.

وقد فنّد البروفيسور وليد الخالدي هذه المزاعم، وأوضح بجلاء أن سبب النكبة هي سياسات التهجير التي اتبعتها قوات «الهاغانا» الصهيونية بقيادة ديفيد بن غوريون، ورديفتها «الأرغون» بقيادة مناحيم بيغن، حتى قبل قيام الدولة

. وقد توصّل الصحافي البريطاني- الإيرلندي إريسكن تشيلدرز لنفس النتيجة، والذي أوضح بطلان المزاعم حول أسباب التهجير للفلسطينيين، بعد أن فحص الوثائق الخاصة بالإذاعات العربية، والتي ادّعى الصهاينة بأنها حرّضت الفلسطينيين على ترك أرضهم.

ولم تقتصر هذه الرواية على هذين الباحثين، وقد انبرى عدة مؤرّخين من إسرائيل لدحض المقولات التي تقول إن الفلسطينيين رحلوا من أرضهم طواعية، أو بتحريض من الحكومات العربية عبر الإذاعات. ويقول المؤرّخ الإسرائيلي بني موريس إن معظم الفلسطينيين أجبروا على الرحيل قسراً أو بسبب الحرب. وأن بن غوريون لم يصدر أوامر صريحة بطرد الفلسطينيين، ولكنه أراد أن يفهم جنرالاته الأمر بالطرد بشكل مبطّن، حتى لا يدخل التاريخ كأسوأ مهجّر.

أما المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه، الأستاذ في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة حيفا، فهو أكثر صراحة في أن سبب النكبة الفلسطينية هي خطة للجيش الإسرائيلي لتفريغ فلسطين من سكانها. وقد عنون كتابه «التطهير العرقي في فلسطين». ويشير الكاتب إلى خطة دالت (دال) والتي رسمت خطة واضحة للتطهير العرقي بوسائل عنيفة.

وكان الفلسطينيون يترقبون ككل عام هذه الذكرى الأليمة وهم يحيون أواخر شهر رمضان المبارك هذا العام، حين بدأ الجنود الإسرائيليون باقتحام المسجد الأقصى، ومحاولة منع الفلسطينيين من التجمع حول باب العمود كعادتهم بعد الصلاة. وقد تصاعد الموقف والذي أدى إلى تصادم بين الفلسطينيين وإسرائيليين متشددين كانوا يهتفون بموت العرب. وقد تصدى لهم شباب فلسطينيون مما زاد الموقف تعقيداً بتدخل قوات الأمن الإسرائيلية لحماية الإسرائيليين المتشددين.

وكانت هناك مواجهة أخرى في حي الشيخ جراح، حيث دافع بعض الفلسطينيين المقدسيين عن بيوتهم والتي يطالب بها إسرائيليون يدّعون ملكيتها. وتنظر المحكمة المركزية في القدس حول أحقية المتخاصمين لملكية هذه البيوت. ولأن للفلسطينيين تجارب مريرة في التهجير والاستيلاء على الممتلكات، والتي تتصادف مع ذكرى النكبة، دافع الفلسطينيون عن مساكنهم لئلا تتكرر المأساة.

ولكن حركة «حماس» أرادت غير ذلك. ولعلها أرادت من إرسال صواريخها إلى بيت المقدس اختطاف زمام المبادرة من السلطة الفلسطينية، والتي أصبحت قابعة وعاجزة في رام الله وليس لها دافع. وتحولت المقاومة السلمية الفلسطينية الشرعية إلى حرب ضروس دفع ثمنها الأبرياء من أبناء غزة، والذين لم يقروا هذا العمل ولكنهم تحمّلوا تبعاته.

وكانت صواريخ حماس طوق نجاة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، والذي ينازع في الرمق الأخير من حياته السياسية، ويتقبع له المدعي العام بتهم قد تودي به إلى غياهب السجون. ولعله رأى في هذه المواجهة العسكرية مخرجاً، أو تحقيق نصر بالانتخابات المقبلة في إسرائيل.

ورغم كل هذا التاريخ الدامي بين العرب والفلسطينيين هل من مخرج؟ هل هناك أفق للحل؟ بدأت النظرة تتغير حول هذه المشكلة التي باتت عصية على الحل. وقد صدرت مؤخراً تقارير تنعت إسرائيل بنظام الفصل العنصري. وقد جاء التقرير الأول من منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بتسيلم بعنوان:

«نظام تفوّق يهوديّ من النهر إلى البحر: إنّه أبارتهايد». كما أصدرت منظمة هيومن رايتس واتش الأمريكية تقريراً مؤخرا بعنوان: «تجاوزوا الحد: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد». وآخر تصريح لوزير خارجية فرنسا يقول: «إن إسرائيل باتت تتحول إلى دولة فصل عنصري».

اليوم هناك واقع جديد في فلسطين وإسرائيل، والحلول القديمة لا تصلح مع المستجدات الجديدة. إذا كانت الأصابع تشير إلى تغيّر الوضع في المنطقة المتنازع عليها في فلسطين التاريخية، وغدت تشبه جنوب أفريقيا في زمن الأبارتهايد، فإن الحل هو حل جنوب أفريقيا بالتعايش السلمي بين جميع الأطراف دون اعتبار للون أو دين أو جنس أو أصل. وقد أقر الرئيس بايدن ووزير خارجيته بلينكن بضرورة المساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في الحقوق. وقد لفتت هذه التصريحات انتباه المراقبين، وعلق عليها كثيراً على أنها ابتداع جديد في السياسة الأمريكية.

حل الدولتين مات، ودفن تحت المستوطنات الإسرائيلية! وعلينا إيجاد حلول مبتكرة لإنهاء الصراع.

* كاتب وأكاديمي

 

طباعة Email