سيكولوجية المدير

مشكلة المشاكل في بيئة العمل، أننا لا ندرك طبيعة «العلاقات الخفية» بين القيادي والمدير والمرؤوس. ومن هذا المنطلق، أطلقت هذا العام كتاباً جديداً، سميّته «سيكولوجية المدير»، الصادر عن مكتبة ضحى.

الفكرة باختصار، نبعت من أن كثيراً من القادمين الجدد إلى بيئة العمل والحاليين، لا يدركون الفارق بين أجواء العمل وحياتنا الاجتماعية والدراسية. ففي حياتنا الخاصة، نحن نختار من نصادق ومن نفارق، ومن نحب ومن نكره. غير أن الإنسان ما إن يدخل إلى بيئة العمل، يكتشف أنه لم يعد في مقدوره اختيار مديره، أو زملائه، أو عملائه. هذا الشعور يدفع البعض إلى نسيان حقيقة في غاية الأهمية، وهي أننا أمام خيارات «يجب» أن «نتكيف» معها. فالهروب من المدير الصعب، أو الزملاء الذين يحيكون ضدنا المؤامرات والمكائد، ليس حلاً. ولو هرب أحدنا مرة أو مرتين إلى وظيفة أخرى، سيجد نفسه مرغماً في وقت من الأوقات، على الرضوخ للواقع نفسه، الذي يتطلب تقوية مهارة «التكيف» مع المتغيرات، ومع ما نكره.

ولذلك، هناك ثلاثة مستويات لا بد أن نفهمها جيداً، وهي سيكولوجية القيادي، والمدير، والمرؤوس. فالمرؤوس هو الشخص الذي لم يكلف بعد بأي مهام إدارية، فهو في أدنى السلم الإداري. وكان في السابق صديق المدير، الذي كان يشكو له المدير همه وامتعاضه من بيئة العمل، ومن القيادات العليا. وما إن أصبح صديقه مديراً، فإن زملاءه السابقين قد لاحظوا تغيراً في شخصية صاحبهم، مثل تجاهله لمطالباته السابقة، أو نداءاتهم وتطلعاتهم، وربما كان أكثر صرامة وعدم قبولاً للأخطاء، والسبب يعود إلى أنه صار «مديراً»، أي مسؤولاً أمام مسؤوله المباشر (القيادي).

كما أن المرؤوس لا يدرك أن المدير ينزعج كثيراً، حينما يرى العاملين معه لا يتمون أعمالهم على أكمل وجه. وقد شبهت تلك المهام، بالقردة التي يضعونها على مكتب المدير. فهو أصلاً كان يرجو أن يأتي من يحمل عن كاهله تلك القردة (المهام)، لإنجازها عنه. وهو مفهوم شهير، ذكر في مقالة بمجلة «هارفارد بزنس ريفيو» في السبعينيات. كما أن المرؤوسين لا يدركون أن منهم من يتحاشى المدير التعامل معه، وهو في الواقع أكثر شخص لن يتردد في التوقيع على استقالته، من دون تردد، لسبب بسيط، وهو أنه لم يفهم الاعتبارات النفسية والمهنية في التعامل مع المدير.

وعلى صعيد سيكولوجية المدير، قد لا ينتبه القياديون، وحتى المرؤوسون، إلى أن المديرين يعانون أحياناً من «الغيرة الإدارية»، خصوصاً عندما تُقَرّبْ القيادة العليا ثلة من العاملين إليها، ويتجاهلون جهود المتفانين. هنا، يصبح المدير المنتج، تحت ضغط كبير من الإحباط والقلق والنفور.

ومن الأمور النفسية كذلك، التي لا ينتبه إليها المدير، أن بعض المرؤوسين جيدون في التعامل معه، لكنهم في غاية السوء في التعامل مع الموظفين. فهم لديهم مهارة كبيرة في «إدارة المدير» managing up، وسيئة مع نظرائهم المرؤوسين.

أما بالنسبة للقيادي، فلا ينتبه البعض إلى أنه في الواقع بشر، قد لا يجد دعماً كبيراً أو صريحاً من مسؤوليه الكبار، فيؤثر ذلك في علاقته مع المديرين الذين لا يمكنهم إنجاز الأعمال المتراكمة التي تؤثر في نهاية المطاف في المرؤوسين والمراجعين والعملاء، الذين يصبون جام غضبهم على المديرين، وينسون أن العلة تكمن في رأس المؤسسة.

ما سبق، يكشف لنا جانباً من السيكولوجيات التي تحدث في بيئات العمل، والتي يدفع ثمنها الموظفون. فالقيادي لديه هموم متابعة الصورة الكلية للمنظمة، وتحقيق الأهداف، والتقدم بالمؤسسة نحو الأهداف المنشودة، لكنه قد لا يجد لديه المعطيات أو الدعم الكافي لتحقيق ذلك، سواء ممن يعملون أسفله في هيكله التنظيمي، أو أعلاه. وكذلك المدير، يجلس بين سندان مرؤوسيه، وبين مطرقة مسؤوله المباشر (القيادي).

والمدير نفسه يعيش في حالة نفسية يصعب أن يبوح بها في كثير من الأحيان لمن حوله، لأنها قد تكون نابعة من تحديات احتكاكه مع مسؤوله الأعلى، أو تراخي أو لا مبالاة مرؤوسيه. وفي جميع الحالات، هي مسألة نفسية، تتطلب مزيداً من التأمل، والفهم، وحسن التعامل معها، ليتمكن الجميع من إنجاز مهامهم على أكمل وجه. تماماً كما هو الحال في وضع السفينة التي تتطلع إلى الوصول إلى بر الأمان بأقل الخسائر الممكنة.

* كاتب كويتي

طباعة Email