العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    زايد القائد الفذ

    في 19 رمضان 1425هـ الموافق 2 نوفمبر 2004، فقدت الإمارات والأمتين العربية والإسلامية قائداً فذاً، عز الزمان أن يجود بمثله، إنه المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وقد عبّر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، أيما تعبير عن هذا الحدث الجلل حين قال: «وإذا بكلمات ترفضها الآذان، وإذا بها تمزق الوجدان، مات زايد بن سلطان، وإذا بالدموع تملأ المآقي، وإذا بالسكون يعم المكان إلا من كلمات، اللهم لا اعتراض، اللهم لا اعتراض، اللهم لا اعتراض».

    وما شدّ انتباهي في كلمات التأبين، التي جاد بها الشيخ صاحب السمو الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ما قاله عن زايد، باني الأمة ومؤسس الدولة، بعد إعلان بريطانيا انسحابها من منطقة الخليج العربي. وفي هذه اللحظة التي سيغادر فيها المستعمر دونما أن يبني مؤسسات وبنية تحتية، ويترك فراغاً «وإذا بنجم يلوح في الأفق ورآه الناس على سطح الماء، وكان ذلك زايد بن سلطان». ويضيف سموه: «وبهمة الرجال، يسرع الخطى ويختصر المسافات، ويؤمن الخائف ويطعم الجائع، ويعلّم الجاهل ويكوّن أمة، بل إنه هو الأمة، وإذا به يصل بهذه الدولة الفتية إلى مقدمة الأمم في العالم، يرتقي بها يوماً بعد يوم، وتكتسب الإمارات في ظل سياسته كل صدق ووفاء ومحبة من جميع الدول».

    وفعلاً فقد تفرد زايد عن كل الزعامات السياسية بكونه مؤسساً لدولة، وهي دولة الاتحاد، فالزعماء قاطبة كان لهم تأثير كبير على بلدانهم، ولكن الفرق أن تأثيرهم كان على بلدان قد تأسست لفترة، بينما الشيخ زايد، طيب الله ثراه، أسّس وطناً ودولة من البداية.

    لا شك في أنه كان هناك مجموعات بشرية عاشت في دولة الإمارات، وكان لها أثر واضح وحضارة ظاهرة منذ أمد، ولكن ما قام به الشيخ زايد هو خلق الكيان السياسي لدولة عصرية في منطقة لم تعرف تنظيماً بهذا الشكل. كما أن الشيخ زايد، رحمه الله، مثّل وجسّد هوية وطن هو الإمارات، فقد استطاع أن يقيم مع إخوانه حكام الإمارات ومساعديه المخلصين، دولة مستقلة ذات سيادة ومعترفاً بها دولياً.

    وبعد تأسيس كيان الدولة، وفي ما يتعلق بمؤسساتها الوطنية، استطاع الشيخ زايد أن يؤسس لمجتمع سياسي يصهر جميع الولاءات الضيقة إلى رحاب أفضى، متمثلاً في مفهوم الدولة الوطنية الاتحادية، ولم يكن الأمر يسيراً في هذه العملية، بل إن خلق المجتمع السياسي الإماراتي كان أصعب من إعلان توحيد الإمارات، فالمفاهيم المحلية والقبلية مترسخة في ذهنية المجموعات المختلفة، وصياغة هوية جديدة احتاجت إلى أجيال إلى أن وصلنا بعد نصف قرن إلى هذا الاتحاد في الأرض والمؤسسات والهوية الوطنية.

    وقد صاحب كل هذه العمليات المتزامنة عملية التطوير والبناء، فقد غادر البريطانيون هذه البلاد دون أن تكون هناك بنية تحتية أو بيروقراطية يعتد بها، كما أسلفنا، وكان لزاماً تشييد هذه البنية حتى تقوم الدولة الفتية بالدور المنوط بها.

    وقد حبا الله هذه البلاد بثروة كبيرة من النفط، بعد حرمانها مما أنعم الله عليه في بلدان أخرى من أنهار وأراض زراعية وموارد بشرية، جعلت من تلك البلدان جنات تسلب العقول، ولكن الثروة لا تقوم بنفسها بتطوير البلدان، فعملية التطوير تتطلب رؤية وقيادة تصل النهار بالليل لتحقيق المنجزات الكبيرة، وتحويل هذه الصحراء إلى وطن متطور فيه أسباب الحياة الحديثة.

    وقد كان زايد، رحمه الله، ذلك القائد الفذ، الذي انبرى لهذه المهام الجسام، وأقامت الدولة الطرقات والمستوصفات والمستشفيات والمدارس والبيوت السكنية والعمارات التجارية، وقد كانت مقاربة المغفور له، مقاربة فريدة بالنسبة للقيادات السياسية، فقد كان يقوم بالإشراف المباشر على مشاريع البنية التحتية، ويتابعها بنفسه متابعة حثيثة.

    ولم يكن زايد مهتماً بالجانب المادي للنهضة الوطنية فحسب، بل كان يهتم بالعنصر البشري، فكان له مقولته الشهيرة «إن الثروة ثروة الرجال وليس ثروة المال»، بل كان زايد يرى في الإنسان المحور الرئيس للتنمية والتطور، فغاية البناء والتشييد والإعمار هي الإنسان ليس إلا، فالتراكم المالي ليس غاية، ولكن الإنسان هو لب وهدف التقدم، فمقولة زايد المعروفة تصدح بأن «لا فائدة في المال إذا لم يسخّر لخدمة الشعب».

    ولم يكن زايد فريداً في قيادته الداخلية فقط، ولكن تجاوز حدود الوطن إلى الخارج، حيث أسس لعلاقات متزنة مع دول العالم عمادها المحبة والسلام واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بل تجاوز ذلك إلى إصلاح ذات البين، خصوصاً بين الدول العربية، فكانت له مبادرات عديدة للتوسط بين الدول العربية. رحم الله زايد، وجزاه الله عنا وعن أمته كل خير.


     * كاتب وأكاديمي

    طباعة Email