اليد المبروكة محمد بن راشد واكتمال دائرة الإنسانية

 حين ننظرُ بتأمُّلٍ عميق في شخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، نجد أنفسنا أمام شخصية مكتملة قد أخذت بحظٍّ وافر من المناقب والشمائل التي تجعل منه قائداً وإنساناً فريد التكوين، وحين تسكننا الرغبة في تفسير هذا التكوين نجدنا مضطرين للرجوع إلى الينابيع الأخلاقية الصافية التي نهل منها هذا الفارس الشجاع.

 
ولمعرفة غزارة هذه الينابيع وعمق تأثيرها في تكوين شخصيته نحتاج إلى قراءة متأنية ومتواصلة في سيرته الذاتية البديعة التي خطّ فيها اللحظات المبكرة التي تشكلت فيها عواطفه الكبرى تجاه الحياة، وكيف أنه تلقى تربية صالحة من والدَيْن حكيمين جعلت منه إنساناً متميزاً يجمع بين جسارة القلب ورقة العاطفة، وحكمة الإدارة ورحمة الخلق، وهي الثنائية التي جعلت منه قائداً جسوراً في الميدان، وعاشقا للخيل بين الفرسان، وشاعراً رقيقاً يتفنن في روعة التعبير والبيان.
 
وحين يحاول الإنسانُ الاقتراب من إنسانية سموه ليكتب عنها تتكاثر عليه المواقف الشاهدة على عمق إنسانية هذا الرجل الكبير وشمولها، فهو يمارس الإنسانية بمعنى النفع العام للخلق في جميع نشاطات حياته، ويتجلى تواضعه في مئات المواقف التي تختزنها الذاكرة لصدق دلالتها على طبيعة شخصيته الأليفة القريبة من الناس المحبوبة للجميع على الرغم من صرامته كحاكم إداري يحاسب على التقصير ويكافئ على الاجتهاد والإنجاز.
 
لكنّ مساحة الإنسانية في شخصية سموه تكاد تُغطّي على غيرها من المساحات بسبب أصالة هذا الخُلُق في شخصيته وعمق تغلغله في تكوينه الروحي والأخلاقي، وهذه نِعمة قلّما يظفر بها إنسان إلا إذا كان من ذوي الحظ العظيم.
 
في واحدةٍ من أروع التجليات الإنسانية في شخصية سموه، جاءت الحملة الكبرى التي أطلقها في بداية هذا الشهر الكريم لتوفير مئة مليون وجبة طعام لإغاثة الفقراء والمنكوبين في شتّى بقاع العالم، تجسيداً لمشاعر الرحمة وأخلاقية الإحسان التي حثّ عليها ديننا الحنيف، وورثناها عن آبائنا وأجدادنا في هذه البلاد الطيبة المِعطاءة، وكانت استجابة أبناء الوطن لدعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، مما يُبهج النفس ويمنح الإنسان إحساساً عميقاً بالفخر وهو يرى أبناء هذا الوطن وهم يتسابقون لتحصيل هذه المكرمة التي فتح بابها وأشعل جمرتها سموه بكلمة كريمة، عبّر بها عن انحيازه للإنسان المحروم في هذه الأرض التي تكتوي بعض بلدانها بنيران الحروب والفقر والجوائح، ويعاني أطفالها وشيوخها ونساؤها من ويلات الإهمال والتقصير، فأطلق بو راشد هذه الحملة المباركة الميمونة التي تفاعل معها أبناء وطنه، الذين يحبونه ويثقون بقيادته ويسيرون خلفه بكل فخر واعتزاز.
 
وقدموا نموذجاً رائعاً في التبرع تجاوز المطلوب وغرس في النفوس أنّ فضائل هذا الشعب عميقة التجذر في الوجدان وليست طارئة عليه، بل هي ممارسة أصيلة يشترك فيها الحاكم والرعية في ممارسة واعية ناضجة لفعل الخير الذي هو ثمرة النعمة وسبيل الشكر لها، يبذلون عن طيب نفس وخاطر، ولسانُ حالهم يقول مع قائدهم: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا)، لتظل هذه البلاد مصدر خير وعطاء وبذل وإحسان كما أرادها الرجال الأوائل الذين غرسوا هذه القيم في صدور الرجال الذين سلّموهم أمانة الوطن وأمانة الإنسان.
 
في جميع مواقفه، وفي جميع كتاباته يؤكد سموه على أنّ فعل الخير هو غايته التي تُسعد قلبه، وأنّ إيصال النفع للآخرين هو هاجس من هواجسه الكبرى سواء في ذلك أبناء وطنه وأبناء الإنسانية جمعاء، وأنه لا يريد من ذلك سوى رضا الله سبحانه وتعالى، ولقد كنت ذكرت في مقالة سابقة بعنوان «البحث عن الإنسان» واحداً من أروع مواقفه الإنسانية في مواجهة الجوع واستنقاذ الإنسان من مستنقع الجهل والفقر والحرمان، واليوم سأعود إلى الموقف نفسه ولكن ليس لتكراره بل للتأكيد على عُمق الإحساس الإنساني لهذا القائد المحبوب المهيوب، فبعد أن ذكر تفاصيل ذلك الموقف في قارة أفريقيا وكيف أنه أعاد الحياة لآلاف الفقراء في تلك البلاد النائية عقّب على ذلك الموقف بقوله: «لا أحبّ المباهاة، ولا أقول ذلك من أجل السمعة فالله وحده يعلم النيات.
 
ولكن أقول ذلك لتشجيع غيري من الميسورين والمشغولين. أقول لهم: إنّ الانشغالات الكثيرة والمتعددة لا يجب أن تُوقفنا عن البحث عن الإنسان في داخل كلٍّ منا، أقول لهم: إنني لم أسمع في حياتي عن شخصٍ افتقر بسبب العطاء، أو توقفت أعماله بسبب عمل الخير، أو قلّت إنجازاته بسبب البذل للغير، كل شخصٍ فيه بذرة خير، فيه إنسان رحيم كريم، أقول لهم: إنّ أيّ إنسانٍ يرفع ألم إنسان آخر فإنه يغرس زهرة في بستان، ويُشعل شمعة في الظلام، ويُنقذ روحاً هي غالية عند الرحمن» (قصتي: 298).
 
هذا هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، القائد والإنسان، فسلامٌ على وجهه الطيب وسلام على إنسانيته العالية، وطوبى له ثم طوبى له حين حرّك الرحمن قلبه لإنقاذ ملايين الجياع في هذا الشهر المبارك الفضيل، ليكون ذلك في ميزان حسناته وحسنات جميع من استجاب لدعوته من أبناء هذا الوطن الطيب الأصيل، ولتظلّ يده المبروكة ممدودة بالخير والنفع، فالخلق عِيال الله، وأحبّ الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.
طباعة Email