المعرفة والرهان على الإنسان.. قراءة في تدوينة محمد بن راشد

يركّزُ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، في جميع رؤاه النظرية ومسارات إدارته التطبيقية على الإنسان بوصفه وسيلة التنمية وغايتها، ويُفرّقُ بنظرٍ ثاقب بين أنماط التعليم من خلال الجوهر العميق لمفهوم المعرفة، فالمعرفة بحسب نظر سموه شيءٌ فوق مجرد العلم، وهي بطبيعتها جزءٌ من الطبيعة الإنسانية العاقلة، وغير مرتبطة بالزمان والمكان، فقد يُحصّل الإنسان أرقى أنواع المعرفة من مدرسة الحياة وعلى شيوخ الحكمة والنظر السديد من دون أن يكون هناك أدنى تعارضٍ بين هذه الرؤية الثاقبة لجوهر المعرفة وبين تطورات الحياة وما تفرضه من وجود مؤسسات حديثة هي المسؤولة في المقام الأول عن بناء الشخصية المعرفية للإنسان من خلال الجامعات والمعاهد الأكاديمية التي تتكامل في ما بينها لإنجاز الشخصية الإنسانية القادرة على الإبداع والإنجاز والتقدم.

في سياق هذه النظرة العميقة للمعرفة والتعليم جاءت تدوينة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد على حسابه في تويتر من خلال وسم «علّمتني الحياة» إذ شدّد (أنّ الهدف الحقيقي من التعليم والمعرفة هو بناء الشخصية الإنسانية) مُرسّخاً بذلك واحداً من أعمق التقاليد في ثقافتنا العربية الإسلامية التي تمّ فيها بناء الحضارة والإنسان من خلال كلمة «اقرأ» التي هي وسيلة الإنسان الكبرى للمعرفة وبناء شخصيته الإنسانية كما فطرها الله تعالى، فإذا كانت هناك أهداف ثانوية وربما زائفة من التعليم وطلب المعرفة يغيب معها المقصد الأعمق لهذا النشاط الإنساني النادر الذي يتميز به عن جميع الكائنات، فإنّ الرؤية واضحة لدى صاحب السموّ، والهدف منصوبٌ لا يخفى على ذي بصيرة «بناء الشخصية الإنسانية» بمعنى إعادة اكتشاف الإنسان لذاته وطاقاته وأخلاقه وخبراته وكل ما أودع فيه خالقه من القدرات التي استحق بها اسم الإنسان الذي كرّمه الله تعالى بهذا الاسم حين ذكره في معرض الامتنان: {خلق الإنسان * علّمه البيان}، وجعل تميّزه بالعلم وقابلية المعرفة سبباً لخلافته في الأرض وتكريمه على الملائكة الذين أمروا بالسجود له في حضرة الجلال الإلهي حين امتاز عليهم آدم عليه السلام بمعرفة الأسماء، ليعود التكريم في حقيقته إلى الجذر الأساس الذي ينتمي إليه الإنسان وهو إنسانيته الواسعة الرحبة الممتدة في الزمان والمكان.

ويواصل صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد التأكيد على هذا المعنى الشامل لإنسانية الإنسان حين يقول توضيحاً لما سبق من التدوينة وتوسيعاً لأفقها (شخصية لا تُفرق بين إنسان وآخر بناءً على عِرق أو دين أو مذهب) بمعنى أن أفق الإنسانية مفتوح على جميع الجهات لا يحتفي إلا بالإنسان من حيث هو إنسان مخلوق مُكرّم، أكرمه الله بالعقل والعاطفة والكرامة الإنسانية بعيداً عن التحيّزات الضيقة التي تنشأ في أغلب الأحيان من الفهم الخاطئ لمغزى الحياة، فمغزى الوجود الإنساني يقوم على مفهوم التعارف {يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}، فهذا هو الإطار الفطري للعلاقات الإنسانية ولكن المسيرة البشرية تشهد بين الحين والآخر انحرافاً عن هذه الرؤية فتقع النزاعات وتتطاحن البشرية وتخسر إحساسها بالأخوة الإنسانية، وتشيع روح العداوة والبغضاء بين البشر، ويتحصّن كل ذي عرق أو مذهب أو دين وراء ذاتيته التي تُضيّق عليه الفضاء الواسع، وربما ملأت قلبه بالحقد على أخيه الإنسان مع أنّ واجبه الصحيح أن يكون ممتلئ القلب بالرحمة لهذا الإنسان وأن يحرص على إسعاده بكل ما يستطيع من الوسائل، ومن هنا يُلحّ صاحب السموّ على ضرورة بلورة نموذج مُتحضّرٍ لمفهوم المعرفة يُخرج الإنسان من تحيّزات الماضي، ويتعامل مع الإنسان باحترام لإنسانيته التي هي مناط تكريمه {ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}، فهذه التحيّزات العرقية والمذهبية قد كانت سبباً مباشراً في كثير من الخسائر الإنسانية حين أصبحت سبباً لاشتعال الحروب، وتقديم القرابين والضحايا على مذبح هذه القيم التي تتعارض في جوهرها مع مغزى الوجود الإنساني الصحيح.

وتزداد التدوينة ألقاً ورقّةً وتفيض بالمحبة والانحياز إلى معنى الإنسان حين يتابع سموه توضيح رؤيته لقضية المعرفة والتعليم ودورها الحاسم والمأمول في بناء الشخصية الإنسانية فيقول: (شخصية لا تظلم أخاها الإنسان ولا تؤذيه) ليؤكد بهذه العبارة المُفعمة بالمحبة والعطف على الإنسان الممزق في هذا العصر، واحدة من أرقى القيم الأخلاقية التي تحفظ للمجتمع تماسكه وسكينته وهي عدم الظلم والابتعاد عن الأذى، وهي قيمة سلوكية جاءت بها جميع الأديان والفلسفات، فالظلم سلوك مكروه بالطبع قبل الشرع وكذا الأذى، ومن منا ينسى ذلك الحديث القدسي العظيم الذي خاطب الله تعالى به البشرية جمعاء ولم يجعله مقصوراً على المسلمين فقال سبحانه منْ قائل: «يا عبادي إني حرّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا» ليشمل بهذا النداء جميع مَنْ مشى على هذه الأرض مهما كان لونه أو عرقه أو دينه، فالظلم والأذى هما أقبح صفات الإنسان وهما الكفيلان بتجريده من اسم الإنسانية، وإنّ الله تعالى لينتصر للمظلوم حتى لو كان كافراً، في إشارة واضحة قوية إلى تعظيم الظلم وشؤم هذا السلوك الخطير الذي يقضّ مضاجع الإنسانية ويحرمها من نعمة الإحساس بكرامتها وإنسانيتها.

ولم يكتفِ سموه بكفّ الأذى وعدم التظالم في ما بين البشر بل دفع بأخلاق الإنسان إلى أعلى مداراتها وهي الإحسان إلى الإنسان والاقتراب منه والتخفيف من آلامه حين يقول: (شخصية تقترب من آلام البشر لتخفف عنهم) وهي القيمة الأخلاقية العظمى التي هي جزءٌ أصيل من الفطرة الإنسانية السويّة، وقد عبر لفظ «الاقتراب» عن رهافة الشعور بأوجاع الآخرين، ولتكون الغاية هي التخفيف عنهم، وجبر قلوبهم المنكسرة.

ثم كانت هذه الخاتمة الرائعة اللامعة التي تلخص جميع ما سبق من جزئيات التدوينة حين أكد صاحب السموّ أن الهمّ الحقيقي للإنسان الذي يتمتع بحسّ الإنسانية وأخلاقيتها العالية هو أن يبقى على قيد الإنسانية وليس على قيد الحياة، فكم من كائن يمشي على ظهر هذه الأرض ولكنه يفتقر إلى أدنى مشاعر الإنسان الرؤوف الذي يتحسّس آلام الآخرين، ويخفف من أوجاعهم، فهذا النمط من الناس موجودون فقط على قيد الحياة يأكلون ويشربون ويظلمون ويتسببون بكثير من المآزق التي تُكدّر وجه الحياة الناصع الجميل، ولكنّهم قطعاً غير موجودين على قيد الإنسانية التي تعني اكتمال الصفات الأخلاقية للإنسان وليس مجرد ذهاب الدم وجريانه في عروقه، فهذا شيء تُشاركه فيه كثير من المخلوقات التي تدبّ على هذه الأرض وربما تمشي على أربع، ولكنّ الإنسانية قدْرٌ زائدٌ على الآدمية، ولا يعرف جوهرها ويشمّ عطرها إلا كلّ ذي قلب صافٍ، فياض بالحب والرأفة والإحسان.

طباعة Email