بطونٌ جائعة وعيونٌ دامعة

في بعض الأخبار التي جاءتنا عن كتب بني إسرائيل أنّ الله تعالى أوحى إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام بعد أن فرغا من بناء الكعبة: «واعلما أنّ لقمةً تضعانها في بطن جائعٍ خير عندي من بناء الكعبة» أو كلاماً هذا معناه، وقد اشتُهر عن الإمام العارف الزاهد الشيخ عبد القادر الجيلاني، رحمه الله، أنه قال تأكيداً لذلك المعنى السابق: «لقمةٌ في بطن جائع خير عند الله تعالى من بناء ألف جامع».

لا أدري لماذا استدعت الذاكرة هاتين العبارتين حين شاهدت الإعلان الكبير لحملة المئة مليون وجبة التي أطلقها راعي المكارم وفارس العطاء والخيرات صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، لإغاثة اثنين وخمسين مليون شخصٍ يموت كل يومٍ منهم خمسةٌ وعشرون ألفاً ما بين طفل وشيخٍ وامرأة تحت سمع العالم وبصره، ولعل الصور المرفقة مع المادة الإعلانية للحملة المباركة كفيلة بتحريك القلب ولو كان مقدوداً من الصخر، فكم من طفل قد اصطفقت أضلاعه الخاوية لأنها لا تجد لقمة يشتدّ بها عظم الصدر، وكم من عينٍ دامعة لشيخ كبير وامرأة ضعيفة تتلهف أرواحهم قبل أجسادهم لنيل لقمة من الطعام تسدّ الرمق، ليأتي صوت صاحب السموّ مليئاً بالمحبة والرحمة ليقول: «لن نقف مكتوفي الأيدي» معلناً عن انطلاق أكبر حملة عربية لجمع مئة مليون وجبة يتم توفيرها لمنكوبي جائحة كورونا في شتى بلاد العالم.

وبشهامة قلب كبير أطلّ صاحب السموّ بوجهه السمح ليؤكد موقفه الإنساني النبيل بالفعل قبل القول، وليمتدّ بهذه الوقفة الأخوية الجليلة مع الضعفاء إلى تاريخ هذا البلد الطيب المعطاء فيقول: «سعادتنا في العطاء، وشرفنا في خدمة المحتاج، وبلادنا محظوظة بالخير الذي نفعله، والبلاء يرتفع بالصدقة» مُلخّصاً بهذه الكلمات الرائعة جوهر الموقف ودوافعه وغاياته، وأنه ليس طارئاً على أهل هذه البلاد الذين أنعم الله عليهم بوافر الخيرات، وملأ قلوبهم بفضيلة الحب للآخرين، فجعل سعادتهم في العطاء والبذل لكل محتاج، وليس هذا القول دعوى مجردة باللسان بل الواقع يشهد بحمد الله وفضله على حجم الإسهام الضخم الذي تُسهم به الإمارات في سبيل التخفيف من أوجاع الإنسان في كل مكان، وهو واجب نؤديه بإحساس عميق بالمسؤولية الدينية والأخلاقية تجاه الإنسان الذي حرمته الحياة من أبسط حقوقه في لقمة عيش طيبة أو كساء يستر جسده النحيل أو غطاء يُخفّفُ عنه من لوعة البرد.

لقد ألحقت جائحة كورونا أضراراً كبيرة بالناس في شتى بقاع العالم وكان حظ البلاد الفقيرة مضاعفاً من نتائجها السلبية، وبخاصة في بلاد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث بلغ الضرر مداه الأقصى، وانفتحت أبوابُ الجوع والعُري والتشرد على مصراعيها، وانشغل العالم بمشكلاته الخاصة في ظل مواجهة شاقة مع هذا الوباء المخيف، وكاد العالم أن ينسى معاناة تلك الشعوب الفقيرة الجائعة وربما نسي بالفعل، لكنّ أصحاب القلوب الحية لا يزالون موجودين بيننا بحمد الله، وفي ديننا الحنيف أنّ صفة الإيمان مُنتفية عمّن بات شبعاناً وجاره جائع ليكون من هذا الحديث أعظم حثّ على ضرورة تفقد هذه الفئة المنسية من الناس، وكيف لا يكون ذلك كذلك وقد وعد الله تعالى الجنة لأناس يُطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وأكد رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم على أنّ الصدقة تدفع البلاء، وهو ما ختم به صاحب السموّ كلمته التي استنهض بها الهِمم وحرّك بها القلوب، وأعلن من خلالها إطلاق هذه الحملة المباركة الميمونة لتكون دولة الإمارات العربية المتحدة أول دولة عربية تطلق أكبر حملة لمواساة الإنسانية في عذاباتها التي تتجلى في هؤلاء الضعفاء المشرّدين وفي طوابير ملايين المساكين الذين تتمزق أكبادهم من أجل لقمة نظيفة، وترتجف شفاههم من شدة البرد ولذعة العراء.

ستظلّ هذه البلاد الطيبة المباركة بعون الله نبعاً من ينابيع الخير، وعنواناً من عناوين العطاء والبذل، وسيظل قادتها الصيد الكرام فرساناً لإغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج، وأما أنت يا سيدي يا صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد فلا أجد في هذا المقام خيراً من الدعاء لك بطول العمر في عافية ونعمة سابغة، وأن تظل يدك الكريمة ممدودة بالخير والعطاء لكل محتاج يا وارث المجد والمكرمات، وأن تظل بلادنا محفوفةً بالعناية عامرةً بالمسرّة والسعادة والسلام، مبادرة إلى فعل الخير، ونشر ثقافة العطاء والإحسان.

طباعة Email