تعافٍ بنكهة رمضان

للعام الثاني على التوالي، يتزامن الشهر الفضيل والوباء الأممي. كنا نفضّل أن يهل رمضان من دون وباء حاملاً معه سماته الثابتة، حيث تلاصق الأهل وتقارب الأصدقاء وطقوسه الاجتماعية المكمّلة لعباداته وفروضه الروحانية. ولكن الوباء لم ولن يفسد لرمضان قضية. قد يغيّر أو يبدّل من أجل الاستمرار، ولكنه يضيف إلى رمضان بعداً جديداً من أبعاد الإنسانية.

فأن يستمر من يقدر ويملك ويريد في دعم الأقل حظاً في رمضان على الرغم من استمرار الوباء، فهذه إنسانية تتطابق وروح رمضان. وأن يهرع الصائمون الداعمون للخير إلى التبرّع بالوقت والجهد والمال لمصلحة الطواقم الطبية المرابطة على خط الوباء الأمامي للعام الثاني على التوالي، فهذا اتساع أفق وعمق إيمان يتفقان وروح رمضان. وأن ينهل الصائمون والصائمات معلومات الصيام في زمن الوباء من مصادرها لا من مصادر القيل والقال و«الترند» و«الهاشتاغ»، فهذا صميم قواعد الدين حيث ينأى الشخص نفسه عن المنافقين والمغرضين وهو ما يتفق وروح رمضان.

تجنب المناطق المزدحمة والتجمعات بما في ذلك المساجد التي لا تراعي قواعد التباعد ليس انتقاصاً للإيمان أو تقليلاً للثواب أو نيلاً من روح الشهر الكريم، بل العكس هو الصحيح. فالإيمان لا يشترط الظهور العلني، والصلاة تقبل أينما كانت وشروطها معروفة.

والمؤسسات الدينية وجهات الإفتاء الرسمية أجمعت على أن أداء صلاة التراويح في البيت أمر جائز في ظل الوباء، وأن صلاة التراويح المقامة في المساجد ينبغي أن تراعي قواعد التباعد وقصر المدة حفاظاً على الأرواح.

ومسؤولية الصائم لا تنتهي عند صوم أيام رمضان، أو الإكثار من الصلاة والدعاء وقراءة القرآن وأعمال الخير. فأعمال الخير تشمل الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. فأن يكون الشخص مصاباً بالفيروس، أو حتى يشك في إصابته، أو لم يمضِ على تعافيه من الإصابة فترة كافية، ورغم ذلك يغامر ويصر على الصلاة إلى جوار الآخرين، فهذا يتناقض وروح رمضان.

روح رمضان تنمو وتزدهر في زمن الوباء. فالإمساك بتلابيب روحانيات رمضان وما يعنيه الشهر الفضيل، بالإضافة إلى الصوم والصلاة والزكاة وقراءة القرآن الكريم في زمن الوباء، يحتاج قدرة على التأمل وإرادة حديدية وفكراً منظماً يسمح لصاحبه برؤية الضوء المبهر في نهاية نفق الوباء.

هذا الضوء يتمثل بأوجه عديدة: القدرة على الشعور بالآخرين وليس مجرد رؤيتهم رؤى العين، تقييم النعم والمنح ووضعها في مكانتها الحقيقية مقارنة بالنقم والمحن، إعادة هيكلة الأولويات وتنظيم مكونات الحياة بشكل أسمى وأنسب، النظر إلى العلم بعين ملؤها التقدير والتبجيل حيث العلم والإيمان وجهان لإنسانية واحدة، وليسا متصارعين أو متنافسين، التمعّن في قيمة التعددية ونعمة الاختلاف باعتبارهما دليلاً دامغاً على قدرة الخالق، ورغبته في أن يثري عقولنا ويمتع قلوبنا بالتنوّع والاختلاف والقائمة طويلة وثرية.

ثراء الأجواء الروحانية والاحتفالية في رمضان يتزامن للعام الثاني، وقرار الوباء أن يبقى معنا وأن نبقى معه. العام الماضي كانت صدمة الحدث الجلل في بدايتها، وهذه أصعب مراحل التعامل مع الأزمات والكوارث. ثم تهدأ الأمور قليلاً، ويستوعب العقل البشري شيئاً فشيئاً ما جرى له، وتبدأ عملية التعايش السحرية ومعها معاودة الحياة الطبيعية ولو بقواعد جديدة غير مألوفة.

ولذلك فإن رمضان هذا العام فيه قدر أكبر من القبول والتعايش والإبداع الرمضاني. فقد اتضح أن التباعد الجسدي لا يعني بالضرورة قطع الأوصال والروابط الإنسانية. التواصل «أونلاين» مع الأهل والأحباب ممن نخشى عليهم من التقارب الجسدي، له مفعول السحر ولو كان عنكبوتياً.

نسمعهم ونراهم، ويسمعوننا ويروننا بينما نحن صائمون أو على مائدة الإفطار أو في جلسة سمر بين العشاء والفجر. أما عن الزكاة والصدقات، فليس هناك وقت أفضل منها هذه الأيام، ولا سيما في ظل كرب الوباء الذي ضرب الكثيرين ممن يتعففون عن طلب المساعدة، بديلاً عن جموع المتسولين المحترفين.

احتراف الحصول على المعلومة من مصادرها أمر واجب في رمضان. السلطات الصحية في بلداننا هي المصدر الرئيس لأخبار الوباء في أوطاننا. منظمة الصحة العالمية هي المصدر الرئيس لكل جديد وحديث في ما يختص بالوباء واللقاح، حتى رمضان في ظل الوباء له نصيب وافر في رزنامة المكتب الإقليمي للشرق المتوسط في المنظمة الأممية، حيث قواعد الصحة والطمأنينة في الشهر الفضيل، وحث على الجود والكرم والعبادات والصلات مع اتباع الإجراءات الاحترازية والعادات الغذائية السليمة.

سلامتنا الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية تكمن في رجاحة العقول وصحة القلوب. والشهر الكريم فرصة سنوية لصفاء العقل ونقاء القلب، ويضاف إليهما هذا العام إضافة بعد التعايش والتأقلم والتدبّر في ظل وضع قلب العالم رأساً على عقب.

وإذا كانت اللقاحات والاحترازات والإجراءات جزءاً من محاولات التعافي، فإن رمضان يعطي كلاً منا فرصة ذهنية ذهبية للتعامل مع التعافي الشخصي، كل حسب ظروفه وأولوياته واكتشافاته على مدار عام مضى. رمضان كريم.

 

 

طباعة Email