الأشياء التي تبدو لنا صغيرة

دكتورة في إحدى الجامعات، تكتب في «تويتر»: أشفق على طلبة «الأونلاين»، وعلى ضياع أيامهم التي قضوها أمام الأجهزة بعيداً عن أروقة الجامعة، ممراتها، كؤوس القهوة الصباحية، تجمعات الرفاق، المحاضرات التي تم «تطنيشها»، أزمة الباصات، حر الصيف وبرد الشتاء الماطر. هي أمور لا تشترى، هي ذكريات تعاش وحسب.

طالب في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية يقول: لا أصدق أنني سأحصل على شهادتي الثانوية من أمام شاشة كمبيوتر. لا أتصور أنني لن أذهب إلى مدرستي لأرى زملائي قبل أن أغادر المدرسة نهائياً. كنت أعدّ نفسي لهذه السنة، التي هي بسنوات الدراسة كلها.

تابعت بشغف أخي الذي حصل على الشهادة قبلي بثلاث سنوات. سجلت في ذاكرتي كل الحفلات التي نظمتها المدرسة لهم، أو نظمها الطلاب لأنفسهم طوال عامهم الأخير، كي أقوم وزملائي باستنساخها في سنتنا الأخيرة. كل هذا تبخر، وأصبح في خانة الأحلام التي لم تتحقق، ويبدو أنه سيتكرر في الجامعة أيضاً.

تفاصيل الحياة الجامعية التي تحدثت عنها الدكتورة الجامعية في تغريدتها تلك، قد تبدو في ظاهرها صغيرة، لكنها ليست كذلك. لأروقة الجامعة وممراتها رائحة تمتزج بألق سنوات الشباب، التي نخطو بها في تلك الأروقة والممرات، ولكؤوس القهوة الصباحية في «كافيتريا» الجامعة، مذاق يعبق بأجواء الدراسة الجامعية، التي لا تشبهها أجواء أخرى، ولتجمعات الرفاق في حرم الجامعة، أبواب تنفتح على صداقات، تتكون مع وجوه تتفرق بأصحابها دروب الحياة بعد ذلك في مسارات مختلفة، والمحاضرات التي يتم «تطنيشها» بمزاجنا، تشعرنا أننا أصبحنا مسؤولين عن تصرفاتنا، وأزمة الباصات والمواصلات، هي العذر الجاهز كلما غبنا عن محاضرة، أو تأخرنا عن موعد بدئها، ولحر الصيف وبرد الشتاء الماطر دفء وقشعريرة، نشعر بهما كلما تبدلت فصول العام، وخطونا نحو كهولتنا محمّلين بالحنين إلى أيام شبابنا الأولى. إنها حقاً «أمور لا تشترى، هي ذكريات تعاش وحسب».

الطالب الذي يتوق اليوم للذهاب إلى مدرسته، هو نفسه الذي كان دائم التبرم من دوام المدرسة، وهو نفسه الذي كان يختلق الأعذار للتغيب عن المدرسة، وهو نفسه الذي كان يتسلل مع زملائه مبتعدين عن أسوار المدرسة، كلما تسنى لهم ذلك. ما الذي حدث كي تصبح المدرسة الآن مكاناً يشتاق إليه الطلاب ويفتقدونه؟ هل هو الإحساس بقيمة الأشياء حين لا نستطيع فعلها؟ ثمة أشياء نظن أنها صغيرة، لكنها تترك بصمات لا تنمحي على خرائط حياتنا، لا نشعر بقيمتها إلا عندما تحول الظروف دون قدرتنا على الاحتفاظ بها.

قرأت تقريراً منقولاً عن صحيفة أجنبية، يقول إن فترة التسعينيات من القرن الماضي، كانت هي الأفضل والأكثر حضوراً في ذاكرة الجيل الذي يتحدث عنه التقرير. يبرر معدو التقرير ذلك، بكون التسعينيات شهدت بداية التقدم في العصر الحديث، لكنها حافظت بدرجة كبيرة على بساطة الماضي.

يمضي التقرير قائلاً، إن هناك أدلة تدعم القول بأن هذه الفترة، كانت أفضل عقد من الزمن، فقد لا يتذكر من كانوا أطفالاً خلال تلك الفترة، انهيار الاتحاد السوفييتي، لكنهم بالتأكيد يتذكرون أشياء صغيرة، مثل الرغبة في امتلاك جهاز تسجيل الأصوات، الذي كان برفقة الطفل كيفن، بطل الجزء الثاني من فيلم «وحيداً في المنزل». لهذا، قرر معدو التقرير أن يعودوا إلى ذلك الزمن الذي شاهد جيله حلقات «عائلة سمبسون»، وفيلم «تايتانيك»، واستمعوا فيه إلى أغاني فريق «باك ستريت بويز».

يقول التقرير أيضاً، إنه من خلال ما نشهده هذه الأيام، يمكن الجزم بأن فترة التسعينيات كانت أيام الرومانسية الأخيرة، إذ كانت تمثل العقد الأخير من الحب من دون إنترنت. الشباب الذين اعتادوا على استخدام وسائل الاتصال في وقتنا الحاضر، قد لا يمكنهم استحضار المشاعر التي كانت لدينا، عندما نفتقد شخصاً، ولا يمكننا الاطمئنان عليه. أصبح الشعور بالاشتياق والشغف الذي كان ينتج عن طول المسافات، أمراً مستحيلاً في عالمنا اليوم، حيث يمكنك الاتصال بمن تريد من خلال ضغطة زر.

كانت التسعينيات العصر الذهبي لاستئجار شرائط الفيديو ومشاهدة فيلمٍ ما، أكبر عدد ممكن من المرات، إلى حين إعادته إلى المحل لاستبدال آخر به. هذه متعة لا يعرفها اليوم جيل «نتفليكس» و«يوتيوب»، وقنوات الأفلام التي تبث على مدار الساعة.

الأشياء التي تبدو لنا صغيرةً، لا نشعر بقيمتها إلا عندما نفقدها.

طباعة Email