أزمة كبيرة وانفراجة أكبر

الأزمة كانت كبيرة، والخسارة ظلت قائمة على مدار كل دقيقة وثانية. ولأن كل ما يمر بنا من أحداث وحوادث يُعَد تجربة إضافية في مسيرة الحياة، وحيث إن رُبَ صدفة كاشفة عن أوجه غائبة خير من ألف ميعاد ومحاولة للتوضيح والتفنيد، فإن أزمة السفينة الجانحة في قناة السويس كشفت وأوضحت وفندت واختصرت ألف خطوة في جنوح واحد.

الحرب الشعواء التي تعرضت لها مصر وكل من ساندها وانحاز لإرادة شعبها واتخذ موقف الحق، ولم يخش فيه لومة لائم أو حاقد أو متآمر منذ 30 يونيو عام 2013، اتخذت من قناة السويس «الحبيبة» أداة للتدمير ووسيلة لفرض إرادة جماعات لم تترك بلداً إلا وخربته، أو تمر بوطن إلا وحولته حفنة من تراب.

الأتربة العالقة في هواء «السوشيال ميديا» والتي بذلت قصارى جهدها بعد دقائق من انتشار خبر جنوح «إيفر غيفن» لتفتئت على الوضع في القناة وتسن أسنانها وتشمر عن سواعد الحقد والغل لتوجهها إلى مصر والمصريين بدت واضحة وضوح الشمس. خط رفيع يكاد لا يرى بالعين المجردة يفصل بين خفة الظل والتنكيت اللطيف من جهة، والسخرية المخلوطة بالسموم والخبائث من جهة أخرى.

جهود التسفيه العنكبوتية صارت سلاحاً في عصر ما يسمى بـ«الربيع العربي». الجميع يعلم أنها باتت مكوناً أساسياً من مكونات الحروب الجديدة. الحرب لم تعد قاصرة على الساحة، والأسلحة الأكثر فتكاً ليست مصنعة بالضرورة في مصانع السلاح، فمنها ما يأتي في صورة تطبيق، ومنها ما يتجلى في هيئة «ترند» أو «هاشتاغ» يصبح الأكثر تداولاً بقدرة قادر ممنهج منظم.

لكن يظل البقاء دائماً للأصلح وليس الأخبث. خبث ضار تعامل به كثيرون مع قناة السويس منذ عام 2013. كم هائل من المقالات والتغطيات والتقارير والتحليلات تم نشرها وبثها ومعاودة تشاركها على مدار سبع سنوات مضت عن أهمية قناة السويس التي صارت فعلاً ماضياً، أو مجرد رمز وطني أكل عليه الزمان، وشربت عليه الطرق البديلة، أو انتهاء دورها كممر ملاحي حيوي. وللأسف الشديد أن مثل هذه «التغطيات» الإعلامية تأتي عبر وسائل ومنصات اكتسبت صفات النزاهة والموضوعية على مر سنوات وربما عقود طويلة. لكن النزاهة والموضوعية تسقطان أمام المصالح والتوازنات والتواؤمات، لا سيما حين تتعدى الأشخاص والجماعات وتصبح صراعاً أممياً تحدد نتائجه هوية قوى العالم الجديد.

لكن العالم الجديد كشف عن مكانة قناة السويس الحقيقية - وليست المفتعلة سياسياً أو اقتصادياً - عبر المنصات نفسها دون أن يدري، وذلك تحت وطأة هلع تعطل حركة الملاحة ووصول البضائع الحيوية، ناهيك عن الخسائر المادية الفادحة. وبين جنوح وضحاه، نسي الجميع أهمية القناة «المتضائلة» وقيمتها «المتآكلة» وبدائلها المتوافرة.

والحقيقة أن ما جرى منذ جنوح «إيفر غيفن» وحتى نجاح مصر، بسواعد المصريين، في تعويمها فيما يشبه الملحمة، كان خير ناصر لمصر وقناتها وأبنائها وبناتها. ونجحت أحداث هذه الأيام السبعة في محو جهود سبع سنوات من التقليل من شأن القناة، أو على الأقل فضحتها وأفسدت المزيد من الدق على وتر اضمحلال أهمية القناة.

الأزمة كانت كاشفة بكل المقاييس. فعلى الرغم من أن مصر أصرت على أن تكون جهود التعويم مصرية خالصة، إلا أن دعم أشقائها العرب وعلى رأسهم الإمارات والسعودية والبحرين، سواء بعرض المساعدة أو بالتأكيد على إيمانهم بقدرة مصر على النجاح، وكذلك عبر رسائل التهنئة من القلب بعد نجاح التعويم، جميعها يظل في القلب لأنه نابع من القلب.

ومن القلب وإليه يطالع العالم صور ما بعد التعويم. وجوه العمال المصريين وأمارات السعادة والفخر والنصر العارمة على وجوههم دون ادعاء خير من ألف كلمة ومحاولة للتعبير عما جرى. فما جرى لم يكن جنوحاً تلاه تعويماً فقط، أو حتى انكشاف لمحاولات ضارية استمرت طيلة سنوات ما بعد تحرر مصر من قبضة «الإخوان» واستخدمت خلالها القناة وسيلة وغاية، لكنه كشف عن معدن إضافي من معادن الوطنية والقومية.

أما الوطنية فكل مصري فرح من قلبه لتعويم الناقلة وعودة الملاحة كشف عن معدن أصيل لا تنال منه أزمات أو حتى كوارث. وأما القومية فهي تلك المتمثلة في رسائل الدعم أثناء الأزمة وبعدها، والإشادة بنجاح المهمة. وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية أشادت بالجهود التي قامت بها مصر في التعامل مع الحادث العرضي، وأكدت تقديرها البالغ للعمل الدؤوب الذي تقوم به السلطات المصرية لإنهاء هذه الأزمة والمحافظة على استقرار ممرات التجارة المائية. وعاودت التعبير عن تضامن الإمارات الكامل مع مصر في هذه الأزمة وأنها على استعداد لتقديم الدعم وتعزيز الجهود.

مرة أخرى، لأن الكلمات النابعة من القلب تصل رأساً دون جنوح إلى القلب، فقد وصلت إلى قلب كل مصري ومصرية.

طباعة Email