شغف القراءة جوهر الإنتاج الإبداعي

سعى الإنسان على مر العصور، لاستكشاف العالم والكون من حوله، والبحث عن قيمة ومعنى لحياته، وكان حب المعرفة والاستطلاع، أساساً لبقائه واستمرار الحياة. وليس ثمة وسيلة تجسد جوهر الاستكشاف، أفضل من كتاب ينير عقول الناس ويلهمها، ويحلّق بها في فضاءات المعرفة وسحر عوالم الخيال، الذي طالما كان أساساً لكل إبداع.

نؤمن في هيئة الثقافة والفنون في دبي، بضرورة رعاية المواهب، وتعزيز الإبداع لخلق مجتمع يتمتع أفراده بعقول نيّرة ومتميزة، فالإبداع في أساسه، يرتكز على التفكير النقدي، والقدرة على الابتكار في جميع المجالات. كما يعد التقدم الفردي والاجتماعي، مجهوداً جماعياً، بينما يسهم فهم الأدب واحترامه بشتى أنواعه، في فهم مختلف المجتمعات، والتعرف إلى أساليب الحياة فيها. من هنا، فإننا نكرس جهودنا لجعل الإبداع جزءاً لا يتجزأ من ثقافة مجتمع الإمارات، عبر طيف متنوع من البرامج والأنشطة الهادفة، التي من شأنها أن تسهم في تحقيق هذه الغاية.

وإنني لأشعر بسعادة غامرة، إذ أشهد بذور الإلهام والإبداع، التي يتم زرعها في عقول الصغار واليافعين والكبار في مجتمعنا، عن طريق تأصيل عادة القراءة سلوكاً يومياً في حياتهم جميعاً. تلك البذور التي تسعى دبي للثقافة، إلى رعاياتها وتنميتها، عبر وصل الناس بعضهم ببعض، من خلال الأدب والفن، الأمر الذي يشكل ركيزة أساسية من ركائزها، ويتناغم مع الجوهر الرئيس للرؤية الحكيمة لقيادتنا الملهمة، التي وضعت في عام 2016 الاستراتيجية الوطنية للقراءة الهادفة، إلى تعزيز القراءة، وجعلها عادة يومية متأصّلة في المجتمع الإماراتي بحلول عام 2026.

وسعياً منها لترجمة هذه الرؤية على أرض الواقع، أطلقت دبي للثقافة، خلال العام نفسه، مبادرة «صندوق القراءة»، الذي تم تصميمه كمكتبة مؤقتة، ومسرح للمحاضرات ومساحة للتجمع، ويُقام خلال شهر القراءة الوطني، في أماكن يقصدها عادةً جمهور واسع من مختلف أطياف المجتمع في دبي. يمدّ صندوق القراءة، يداً حانيةً ومرحبة للجميع، في دعوة مفتوحة لأفراد الجمهور للتوقف عنده، واستكشاف كنوز المعرفة التي يخبئها لهم، أو المشاركة في ورشة عمل تفاعلية، تثري خبراتهم ومعارفهم في الحياة. وأصبح هذا الصندوق الصديق للقراء من شتى الأعمار، حدثاً سنوياً.

نجح صندوق القراءة في استقطاب أكثر من 21 ألف مشارك على مدار السنوات الثلاث الماضية فقط، وحرصاً على تفعيل شهر القراءة، كجزء من دورنا الفاعل في تعزيز عادة القراءة بين شرائح المجتمع، من مواطنين ومقيمين، وجعلها سلوكاً يومياً لديهم، أطلقناه بحلّة افتراضية في عامنا الجاري 2021، عام الخمسين، تماشياً مع الظروف الاستثنائية الراهنة، ونتطلع لتحقيق أفضل النتائج هذا العام، نظراً لما للنسخة الافتراضية من دور في تعزيز وصوله إلى جمهور أوسع، داخل الدولة وخارجها.

تهدف «خطة دبي 2021»، إلى جعل دبي مدينةً لأفراد سعداء ومبدعين وممكّنين، يملأهم الفخر بهويتهم الثقافية، ويعيشون في مجتمع متناغم ومتماسك، يوفر لهم كل الأدوات اللازمة لإثراء معارفهم. أما بناء مثل هذا المجتمع، فيتطلب غرس مفهوم القراءة لدى الجميع، وخاصة صغار السن، لتأسيس جيل من القراء، يدركون تماماً التطورات العلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية الحاصلة من حولهم، ويملكون القدرة على التفاعل معها. فإن تراكم المعارف المشروط بشغف القراءة، يشكل جوهر الإنتاج بِرُمَّته عند المبدعين والفنانين والمثقفين، وكذلك عند العلماء والأكاديميين والمبتكرين.

 

مدير عام «دبي للثقافة»

طباعة Email