الانتخابات الإسرائيلية ومأزق التفتّت السياسي

انتهت الانتخابات الإسرائيلية الرابعة خلال سنتين دون نتائج حاسمة، ومن أجل الوصول إلى «الكنيست»، تحتاج الأحزاب والقوائم الانتخابية أن تتجاوز عتبة 3,25 % من الأصوات للحصول على مقاعد، ما يعني أن أي حزب يصل إلى «الكنيست» سيكون له تقريباً أربعة مقاعد. وقد تجاوز 13 حزباً وائتلافاً هذه العتبة في الانتخابات الأخيرة.

وكان القصد من تحديد نسبة لدخول «البرلمان» الحد من التفتت السياسي، وإقصاء الأحزاب الصغيرة، والتي كانت تطالب بحصة في الحكومات المتتالية، منذ إنشاء إسرائيل، وقد كانت هذه الأحزاب الصغيرة والمتنافرة أيديولوجياً، بل إن بعضها تصنف على أنها أحزاب يمينية - مثل حزب «أوتزما يهوديت» (القوة اليهودية)- والتي تساند بنيامين نتانياهو.

وقضية التصدّع الحزبي والفئوي في إسرائيل مردها أسباب تاريخية وسياسية واجتماعية ودينية، فقبل قيام إسرائيل كان هناك تشتت بين الجماعات الصهيونية المختلفة، سواء كانت في فلسطين أو في الشتات، ورغم أن المنظمة الصهيونية العالمية كانت، وما زالت، متماسكة إلا أن الخلافات كانت تعتريها، فهناك انقسامات بين ما يعرف بـ«تيار العمل» الممثل بديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، وتيار الصهيونية التصحيحية، بقيادة زئيف جابوتينسكي، الأب الروحي لتكتل «الليكود»، والتيار الثالث المعروف بـ«الصهاينة العموميين»، والذي تزعمه، حاييم فايزمن، أول رئيس لإسرائيل.

وفي وقت لاحق، تصادم تيار جابوتينسكي مع التوجه البراغماتي لكل من فايزمن وبن غوريون، حيث دعا جابوتينسكي إلى التغيير في التعامل مع قوة الانتداب البريطانية، كما دعا إلى «تكوين دولة يهودية على أرض إسرائيل على جانبي نهر الأردن»، واختطّ التيار نهجاً يمينياً وعنيفاً في الحركة الصهيونية.

وعندما رُفض البرنامج السياسي للصهيونية التصحيحية من قبل اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية، استقال جابوتينسكي من المنظمة، وشكل تنظيماً جديداً يدعى المنظمة الصهيونية الجديدة، وأنشأ في ما بعد ميليشيا مسلحة، والتي تعرف بـ«الأرغون».

وبعد أن أُعلن عن قيام إسرائيل، أصبح التياران الرئيسيان يتمثلان في حزب «حيروت» المنحدر من جابوتينسكي، وخلفه في الزعامة مناحيم بيغن، والذي شكل أغلبية تكتل «الليكود» في 1973، أما التيار الثاني فكان قد تشكل من أحزاب العمل الاشتراكية المعروف بـ«المابي» بزعامة بن غوريون. وقد قاد هذه التيار، مع أحزاب يسار الوسط، إسرائيل منذ قيامها إلى انتخابات 1977، والذي فاز فيها تكتل اليمين (الليكود)، وحينها شكل بيغن أول حكومة لـ«الليكود».

وقد وصلت شدة التنافس بين التيارين إلى الاقتتال، في أول حادثة بعد تأسيس إسرائيل، فبعد شهر من إعلانها، حاولت ميليشيا «الأرغون» إدخال شحنة أسلحة عبر البحر المتوسط في يونيو 1948، ولكن الجيش الإسرائيلي تصدى لها بأوامر مباشرة من بن غورين، وهوجمت السفينة «ألطالينا» من قبل فرقاطات إسرائيلية في عرض البحر، والغرض من الحادثة هو توحيد السلاح بيد الدولة، وعدم السماح بتكوين تنظيمات مسلحة خارج إطار الجيش.

واستمرت الانشقاقات السياسية بين الأحزاب المتعددة، حيث لم يتمكن أي حزب واحد أن يشكل حكومة بمفرده في كل تاريخ إسرائيل، فرغم أن حزب العمل بزعامة بن غوريون قاد المجتمع اليهودي في فلسطين إلى تأسيس دولة عام 1948، إلا أنه لم يستطع الحصول على الأغلبية بالانتخابات في يناير 1949، واضطر بن غوريون للدخول في ائتلاف مع أحزاب أخرى لتشكيل الحكومة، ومنذئذ تشكلت الحكومات المتعاقبة في إسرائيل من ائتلافات أحزاب وتكتلات سياسية متعددة.

وبالإضافة إلى الإرث التاريخي، كونه مسبباً لتفتت الحياة السياسية، هناك العامل الإثني والاجتماعي، فالمجتمع الإسرائيلي مكون من إثنيات عدة ومهاجرين من دول عدة، وقد قاد الحياة السياسية والمجتمع الصهيوني والإسرائيلي، يهود «الأشكناز»، أي يهود أوروبا وتفرعاتهم، بينما كانت الأكثرية من يهود «السفارديم» ويهود البلاد العربية، والذين تبوأوا مكانتهم في وقت متأخر، وقد استغلت كتلة «الليكود» تهميش هذه الأكثرية العددية لتصنع منه نصراً انتخابياً في 1977.

ومما زاد التشتت السياسي في إسرائيل، الصراع بين المتدينين والعلمانيين، فالمتدينون باتوا يحصلون على مقاعد في البرلمان، ويساومون الأحزاب الرئيسة في تشكيلات الحكومات المختلفة، وأخيراً وليس آخراً، فإن الأراضي الفلسطينية المحتلة أصبحت نقطة اختلاف بين من يريد أن يعقد السلام مع الفلسطينيين، وبين من يريد أن يضم الأراضي.

وعلى ما يبدو من الانتخابات الأخيرة، فإن حالة الاستقطاب ستتوالى وحالة التفتت ستستفحل، وعلى الأرجح أن إسرائيل متجهة إلى انتخابات خامسة في غضون شهور.

 

 

 

طباعة Email