سيرةٌ ومآثر وذكرى خالدة

بحروفٍ مُوشّحةٍ بالحزن ولَوْعةِ الفَقْد نعى صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، شقيقه وعضيده الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم رحمه الله الذي غادر هذه الدار الفانية بعد حياة حافلة بالعطاء وفِعْلِ الخيرات، نعاه مسترجعاً صابراً مُحتسباً لله تعالى في هذا المُصاب الجَلَل، مُسلّماً للمولى العظيم الذي تحطّ عنده رحال جميع العبيد ((إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون)، رحمك الله يا أخي وسندي ورفيق دربي، وأحسن مثواك، وضعتَ رحالك عند ربّ كريم رحيم عظيم) ولعَمْرُ الحق إنّ الشيخ حمدان بن راشد رحمه الله لجديرٌ بأن تُذرف عليه الدموع، وأن يشعر الجميع بغيابه، وأن يُشاطروا صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد أحزانه الجليلة في هذا المُصاب الذي غاب معه قمرٌ منيرٌ من أقمار آل مكتوم الكرام الطيبين.

لا يسمح المقام إلا بالحديث عن بعضٍ من الملامح الإنسانية الشفيفة العالية للفقيد الكبير، فقد كان رحمه الله سيّداً من سادات العطاء والإحسان، قائماً على شؤون كثير من مرافق الدولة التي تولّاها باقتدار، ويكفيه عطاء وفخراً وأمانةً أنه تسلّم منصب وزير المالية منذ تأسيس الدولة عام 1971م، وظل وزيراً للمالية مدة خمسين عاماً إلى يوم وفاته رحمه الله، وبوفاته تفقد البلاد رجل دولة من طراز رفيع، ويأفل نجمٌ لامع من نجوم الوطن الذي لن ينسى هذا المُعلّم الكبير رحمه الله.

مناقب

حين يحاول الإنسان الكتابة عن هذا الرجل الكبير بعطائه وأخلاقه ومواقفه تتعسّر عليه سُبُل الكلام فكيف إذا كانت الكتابة استذكاراً لمناقبه ومحطات حياته الحافلة بكل ما مِنْ شأنه أن يكون جديراً بالتدوين والتنويه، فقد كان الفقيد الكبير رحمه الله منخرطاً بكل طاقته في فعل الخير ونشر ثقافة الإحسان، ويتعذّر على المرء إحصاء العيون الباكية لفقده، والصفوف التي انتظمت للصلاة عليه بعد غيابه في أماكن بعيدة لا يصل إليها إلا إنسان راغب في فعل الخير واستنقاذ الضعفاء والمساكين والمحتاجين في جميع أصقاع الأرض، لكنّ الذي شاهدناه من الصور التي تحكي عُمق الحضور لهذا الشيخ الجليل في قارة إفريقيا على وجه الخصوص تلك القارة الفقيرة المحتاجة للأيدي الرحيمة، كل ذلك يحكي أيّ رجل كان الشيخ حمدان بن راشد رحمه الله، وأيّ أفقٍ كان يرتاد، فقد ضجّت عليه مساجد تلك البلاد وودعته بالدموع وهي تصلي صلاة الغائب على روحه الطيبة ولا سيّما طلاب المدارس التي أقامها رحمه الله في السودان والسنغال والكونغو ورواندا وغامبيا، تلك البلاد التي تتواجد بها مناطق محرومة بعيدة عن الأضواء ولا يكاد يتذكرها أحدٌ بسبب فقر أهلها الشديد، حيث ترك رحمه الله نهراً لا يجفّ من الخير المتصل بما بعد الحياة، وأسهم إسهاماً كبيراً في نشر التعليم في تلك البلاد من خلال إنشاء أكثر من أربعين مدرسة، بالإضافة إلى كلية جامعية يتابعها متابعة حثيثة، فقد تفطّن ببصيرته الثاقبة إلى أن تلك البلاد بحاجة ماسّة إلى التعليم باعتباره الخطوة الأولى في طريق صناعة الحياة الكريمة للشعوب، حيث تقوم هذه المدارس بتخريج الطلبة وتهيئتهم للانخراط في الحياة الجامعية، وتوسيع فرص التعليم العالي، فطوبى لهذا الرجل المستبصر الموفّق الذي هداه الله تعالى لفعل الخيرات، والعناية بالمحتاجين لعل دعواتهم المنبعثة من حناجرهم المحرومة أن تكون شفيعاً لهذا الشيخ الساعي فيما يُزلفه عند ربه تعالى من فعل الخيرات ورعاية الفقراء والمحتاجين، ونشر قيمة العلم والتعليم.

شمائل

نشأ الشيخ الجليل في بيت الرئاسة والسؤدد، فهو الابن الثاني للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، وفي هذا البيت الكريم نهل الفقيد أصفى مشارب الرجولة والكرم من أخلاق والده الحكيم ومن شمائل والدته الجليلة الشيخة لطيفة بنت حمدان رحمها الله، فكان ثمرةً نادرة من ثمار هذه الأسرة الشريفة، ونموذجاً متفرداً في أخلاقه وكرم شمائله، ومن بين جميع رجال الوطن فاز هذا الفارس بلقب «الرجل النقي، وصاحب القلب الطيب» في إشارةٍ جازمة إلى ما كان يمتاز به الفقيد الكبير من مكارم الأخلاق، وسماحة النفس، وطيب المعشر، والرغبة الصادقة في فعل الخير، والتفاني لعقود طويلة في خدمة أبناء الوطن ورفعة سمعة الإمارات عالياً في جميع المحافل من خلال إنجازات تشهد له بكل ما قيل فيه من عبارات المدح والثناء، ويضيق النطاق عن حصر جميع المناشط والإسهامات التي أنشأها الشيخ حمدان رحمه الله فضلاً عن المؤسسات التي ظفرت بدعمه ورعايته، لكنّ الإشارة إلى النماذج ربما كانت دالّة على المقصود، فقد كان رحمه الله شديد العناية بالتعليم، وأسهم إسهاماً عظيماً في الارتقاء بنوعية التعليم في الإمارات والخليج والعالم كله من خلال مؤسسات ذات فاعلية قوية تتجلى في احتضان المواهب المبدعة والمبتكرة في مؤسسة جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز التي تمّ إنشاؤها عام 1998 م لرعاية المواهب المتميزة في التعليم وتقديم الدعم للنهوض بأداء التعليم في جميع القطاعات، وقد تطوّرت هذه الجائزة من خلال منظمة يونسكو لتصبح عام 2008 «جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم لمكافأة الممارسات والجهود المتميزة لتحسين أداء المعلمين» والتي تُمنح بشكل دوريّ مرةً واحدة كل سنتين بقيمة 300 ألف دولار يتم تقسيمها بالتساوي بين ثلاثة فائزين ممن يقع عليهم الاختيار بعد تحكيم من قبل لجنة من الخبراء والمختصين وذلك لتحقيق أهم أهداف هذه المنظمة العالمية.

كان الفقيد الكبير رحمه الله واسع الأفق، رحب الرؤية للحياة، فإلى جانب اهتمامه بترقية العملية التعليمية المبكرة كان يتطلع إلى تقوية الروابط الثقافية بين الشعوب، والارتقاء بالدراسات العليا التي تُنضج الوعي وتصقل الشخصية العربية الإسلامية من خلال الاحتكاك بالشعوب والثقافات الأخرى، ولذلك أنشأ رحمه الله كلية آل مكتوم للتعليم العالي في مدينة دندي بأسكتلندا عام 2001 م، والتي كان لها إسهام فاعل في تمتين الروابط الثقافية بين الثقافتين الإسلامية والغربية من خلال منظور ثقافي موضوعي ينحاز للحقيقة ويُنحّي فكرة التعصب الثقافي التي هيمنت على طبيعة العلاقات ردحاً طويلاً من الزمن، وأدت ربما إلى تشويه حقيقة الثقافتين المتجاورتين، ومن يتابع إنجازات هذه الكلية وتأثيرها العميق في تقديم الصورة السمحة للدين والثقافة العربية الإسلامية يشعر بعمق النظرة التي كان يتحلى بها الفقيد الكبير الذي أنجز من خلال هذا الصرح الأكاديمي المتميز ما عجزت عنه الدول الكبرى في تجسير الهوة وردم المسافة بين الغرب والشرق.

اهتمام

ومنذ أن تولّى الفقيد الكبير رحمه الله رئاسة دائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي في عام 1970م ظهرت اهتماماته برعاية الإنسان من هذا الجانب، حيث شهد القطاع الصحيّ تطوّراً غير مسبوق في دبيّ، فمن مركز صحي واحد بطبيب واحد عام التأسيس أصبحت دبيّ وجهة علاجية بفضل تقدُّم الخدمات الطبية فيها والتي تتمثل في ثمانية وثلاثين مستشفى يعمل في إدارتها والقيام على جاهزيتها ثمانية وثلاثون ألفاً من الكوادر الصحية والطبية لتظل دبيّ في طليعة المدن العالمية في الخدمات الصحية، وذلك بفضل الجهود الضخمة التي بذلها الشيخ حمدان بن راشد رحمه الله في هذا القطاع الحيوي من مرافق الحياة والدولة، ممّا عزّز ثقة المواطنين بهذه المؤسسات الطبية الرائدة والتي تحمل بصمة الشيخ حمدان بن راشد رحمه الله.

ولم تتوقف جهود الشيخ حمدان بن راشد رحمه الله عند حدود الارتقاء بالخدمات الصحية داخل الوطن بل امتدت جهوده إلى تأسيس جائزة عالمية تحمل اسم «جائزة حمدان بن راشد للعلوم الطبية» عام 1999 م، والتي تُعدّ واحدة من أبرز الجوائز الطبية على المستويين الإقليمي والعالمي في السعي إلى تطوير مهنة الطب وذلك بتسريع وتيرة الاكتشافات الطبية وتكريم المواهب المبدعة في هذا السياق، ولقد أثبتت الجائزة نجاحها المستحق من حيث قدرتها على تحفيز العاملين في هذا المجال الحيوي، ودعم البحث العلمي وتكريم الباحثين المتميزين، فضلاً عن توطيد العلاقات العلمية في هذا المجال بين مختلف الشعوب، ولقد كانت هذه المؤسسة سبّاقة في تكريم بعض الشخصيات الطبية التي فازت بعد إلقاء الضوء عليها بجائزة نوبل للعلوم الطبية مثل البروفيسور هارفي آلتر الذي فاز بجائزة نوبل عام 2020 في علم وظائف الأعضاء بعد أن كان قد فاز بجائزة حمدان العالمية الكبرى عام 2015، وكذلك حصل الدكتور روبرت إدواردز على جائزة نوبل عام 2010 بعد حصوله على جائزة حمدان عام 2002 ممّا يؤكد عمق المصداقية لهذه الجائزة التي كانت تلقي الضوء على بعض الإنجازات الطبية المتميزة ليتمّ تقديمها بعد ذلك إلى أرفع جائزة علمية في تاريخ البشرية.

واعترافاً بهذا الدور الحضاري العظيم للشيخ حمدان رحمه الله في هذا المجال، تمّ تكريمه من قبل الكلية الملكية البريطانية حيث مُنح شهادة الزمالة الفخرية البريطانية للأمراض الباطنية بلندن، كما حصل على شهادتين مثيلتين من كلٍّ من إدنبره وجلاسكو رحمه الله.

وبجانب هذه الاهتمامات العلمية والثقافية كان للشيخ حمدان رحمه الله اليدُ الطُّولى في إغاثة المنكوبين وسدّ حاجة المُعْوزين، حيث أسس رحمه الله «هيئة آل مكتوم الخيرية» التي أنشأت بتوجيهاته أربعة مراكز خيرية تابعة لبيت الخير في دبيّ من أجل مدّ يد العون وإغاثة المنكوبين والتخفيف عن ضحايا المجاعات والحروب والكوارث الطبيعية، كما تنظّم هذه الهيئة النشيطة لقاءً سنوياً يحمل عنوان «نحن معكم» يهدف إلى إشراك أصحاب المبادرات في المجتمع لإحداث نقلة نوعية في التعامل مع التقنيات المستجدّة في مجال التعليم والعلاج والتأهيل، فضلاً عن تقديم الرعاية الصحية والنفسية للطلبة إلى جانب تقديم التعليم الأكاديمي، مع العناية التامة بفئة ذوي الإعاقة من الصمّ والبُكم والشلل ومتلازمة داون إلى غير ذلك من النشاطات التي تُسهم في تخفيف المعاناة عن هذه الفئات التي هي بأمسّ الحاجة لهذا النمط من الرعاية، ولم تتوقف نشاطات هذه الهيئة عند هذه الحدود بل تجاوزت ذلك إلى خارج الوطن حيث توسّعت أنشطتها لتشمل دعم الجاليات المسلمة في أمريكا الشمالية والجنوبية، ومحاولة تجسير المسافة بين هذه الجاليات والمجتمعات التي تعيش فيها، مع تقديم المساعدات لكثير من المرافق التي تتولى تسيير أمور المسلمين المقيمين في تلك البلاد والذين يقدّمون صورة زاهية عن أخلاق الإسلام السمحة، ويبدّدون بحسن أخلاقهم تلك الملامح التي تحاول تشويه صورته الناضرة المتحضرة في تلك المجتمعات التي تبحث عن الإسلام الراقي المشارك في صناعة الحضارة وتزويد الحياة بالنافع المفيد، وترسيخاً لدعم هذه الجاليات تقوم الجمعية مشكورة بتسيير بعثات للحج والعمرة مع رعاية حثيثة لجميع المؤسسات الإسلامية في تلك البلاد.

بصمة خالدة

من جانب آخر فقد كان للمغفور له الشيخ حمدان بن راشد بصمةٌ خالدة في عالم صناعة الخيل، فعلى مدى ثلاثين عاماً كان له من الجهود الكبرى في هذا المجال ما يضيق عنه نطاقُ الحصر، ولقد أسهمت خيوله من خلال اسطبله الشهير «شادويل» في الفوز بكثير من السباقات العالمية للخيل حيث فازت خيله بكأس ملبورن عامي 1986، و1994، كما فازت خيله بكأس دبيّ العالمي الذي يُعدّ أشهر سباق في العالم عامي 1999، و2007 م، إلى غير ذلك من النجاحات، ولقد أثار نبأ وفاته رحمه الله كثيراً من مشاعر الحزن والشعور بالخسارة لدى الأوساط الرياضية لرحيل هذا الداعم الكبير لهذه الرياضة الشهيرة، مؤكدين أن بصمته التي تركها في هذا العالم ستظل خالدة في تاريخ هذه الرياضة العالمية، وهو ما عبّر عنه أصدق تعبير شقيقه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي بكاه من أعماق القلب في مرثية خالدة ذكر فيها حبه للخيل فقال:

يا محِبّ الخيل يا شهمٍ بطلْ

            سابقٍ عصره وله ماضي مجيد

ذكرك الباقي بذكرك نحتفل

            وإسمك مخلّد إلى يوم الوعيد

وعلى الصعيد التربوي فقد كان الشيخ حمدان بن راشد رحمه الله وبشهادة أهل الاختصاص منارة تربوية وفكرية وثقافية، ترك إرثاً تربوياً عميق التأثير في مسيرة الدولة يسعى بأصالة ووعيٍ نحو مزيد من التقدم والإبداع، فقد كان سياسياً مثقفاً ومُطّلعاً على العلوم والآداب، ويرى بعين بصيرته أنّ الشخصية الفاعلة هي التي تجمع بين أنماطٍ متنوعة من المعارف لذلك كان حريصاً على تنمية العملية التربوية داخل قطاع التعليم الوطني، وأسهم بقوة في دفع مسيرته نحو الأمام ضمن رؤية عصرية تجمع بين الأصالة والانفتاح على العصر ومعارفه الحديثة، وستظل إنجازاته الكبيرة في هذا المجال خير شاهدٍ على ذكراه الطيبة في وجدان أبناء هذا الوطن الذين أحبهم وأحبوه.

مبادئ

كان الشيخ حمدان بن راشد رحمه الله رجلاً من رجال المبادئ، لا يساوم على قناعاته الذاتية النابعة من حبه لوطنه، وإيمانه بقيم الأمة الخالدة، وتشهد مسيرته المهنية بأنه كان عميق التأثير في جميع المناصب والمرافق التي قام على إدارتها وهي كثيرة جداً لا يسمح المقام بسردها تفصيلاً، وكان لنشأته الاجتماعية في بيت السياسة والزعامة، ثم دراسته في المدارس الوطنية أكبر الأثر في تعميق انتمائه وحبه لهذا الوطن الذي احتضن رفاته وبكاه بصدق، وكان لدراسته اللغة الإنجليزية وعلوم البلديات في جامعة كمبريدج في انجلترا أثر فاعل في صقل شخصيته، وتزويده بثقافة العصر ومعطيات العلوم، فكان لذلك أكبر الأثر في صبغ شخصيته بطابع الجمع الرصين بين الماضي والحاضر، والقدرة على إنجاز معادلة متوازنة يحتاجها العالم العربي والإسلامي هي تجديد الحياة من خلال الانتماء للتراث والمعرفة الصحيحة بثقافة العصر وعلومه، ولذلك كانت شخصيته رحمه الله نمطاً فريداً من أنماط القادة الذي يعملون بهدوء وثقة، ويرحلون بجلالٍ وهيبة بعد أن يتركوا وراءهم إرثاً عظيماً من الإنجازات، وسيرة عاطرة لا تمحوها الأيام.

رحمه الله رحمة واسعة وتقبله في الصالحين من عباده، وربط على قلب شقيقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وألهمه الصبر والاحتساب، والعزاء للوطن كل الوطن في رحيله الذي ترك في قلوب أحبابه لوعة الفقد وجمرة الرحيل والغياب.

طباعة Email