حمدان باقٍ في القلوب

رحل عن دنيانا الفانية، لكنه لم يرحل عن ذاكرة الوطن وقلوب كل الذين أحبوه، فالعظماء لا يرحلون عن الذاكرة، لأن بقاءهم فيها أبدي، خصوصاً إذا كانوا من أولئك الذين يتركون أعمالاً بحجم ما تركه المغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، طيب الله ثراه.

كان صباح يوم الأربعاء الماضي كئيباً ومكفهراً، حمل إلينا خبراً حزيناً. صحيح أن هذا قضاء الله وقدره، لكن فاجعة الموت لا تخضع لقوانين المنطق عندما تدمي القلوب، ولأن الشيخ حمدان بن راشد، عليه رحمة الله، لم يكن شخصاً عادياً، فقد ترك رحيله في قلوب الجميع حزناً عميقاً، وإن كان عزاؤنا في فقده أنه قد وضع رحاله «عند رب كريم رحيم عظيم» مثلما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ناعياً شقيقه.

 كان الشيخ حمدان بن راشد، عليه رحمة الله، واحداً من الذين أسهموا بجهد وافر في مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة منذ ما قبل قيام الاتحاد. وظل طوال الخمسين عاماً الماضية يعمل على ترسيخ كيان الدولة التي تحتفل هذا العام بيوبيلها الذهبي. وإذا كان المال والاقتصاد والصناعة هي المحركات والدعائم الأساسية لتمكين أي دولة من البقاء والنمو والتقدم والازدهار، فقد أدار الشيخ حمدان، رحمه الله، هذه القطاعات بمهارة فائقة، وقاد السفينة إلى بر الأمان في أحلك الظروف والأزمات الاقتصادية التي مر بها العالم خلال الأعوام الخمسين الماضية، التي شهدت حروباً وأزمات اقتصادية عصفت بالعالم، وأطاحت باقتصادات الكثير من الدول، وأعاقت تنميتها، في الوقت الذي ظلت دولة الإمارات فيه بمنأى عن التأثر البالغ بهذه الأزمات، ومضت تعلي بنيانها، وتستكمل خطوات مسيرتها، حتى غدت اليوم النموذج الأمثل للدول في إدارة الأزمات وتجاوزها بأقل الخسائر. ورغم هذه المسؤوليات الجسام على المستوى الاتحادي، فقد ترأس، عليه رحمة الله، العديد من الدوائر في إمارة دبي، مثل البلدية وهيئة الصحة وهيئة كهرباء ومياه دبي. كما ترأس الكثير من الشركات، مثل شركة الإمارات الوطنية للبترول «إينوك»، وشركة دبي للغاز الطبيعي المحدودة «دوغاز» وغيرهما. وكانت له اهتمامات كبيرة بالرياضة، تنوعت بين سباقات الخيل والإبل والسباقات البحرية وكرة القدم.

كان الشيخ حمدان بن راشد، رحمه الله، من ذلك النوع من الرجال الذين يعملون في صمت، ويكرهون إثارة الضجيج حولهم. ولهذا كانت شهادات الذين عملوا معه عن قرب مؤثرة وكاشفة عن جليل أعماله. لم يترك مجالاً من مجالات خدمة الوطن والإنسانية إلا وكانت له فيه مساهمة. أدرك أن التعليم هو الوسيلة الأولى لتنمية المجتمعات البشرية فكانت إسهاماته في تشجع المعلمين ورعاية المتعلمين كبيرة، حيث أنشأ عام 1998 جائزة الشيخ حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز انطلاقاً من إيمانه بأن التعليم محرك وموجه للنشاط الإنساني. وأدرك أن الصحة تاج على رؤوس البشر فأنشأ عام 1999 جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية، التي تهدف إلى تكريم العلماء في كل أنحاء العالم. وآمن بأن في كل بقعة من بقاع الكرة الأرضية محتاجين يتطلعون إلى من يمد لهم يد العون، فأنشأ هيئة آل مكتوم الخيرية، التي بدأت رحلتها في ميادين العمل الإنساني عام 1997 في دبلن بإيرلندا من خلال المركز الثقافي الإسلامي هناك، وامتدت لتصل إلى أكثر من 69 بلداً في جميع قارات الكرة الأرضية، شاملةً التعليم وتطوير القدرات الفردية، والمساهمة بسد احتياجات المجتمعات، والصحة، والاهتمام بأصحاب الهمم، والإغاثات في حالات الفيضانات والزلازل والمجاعات والكوارث.

وتثميناً لجهوده هذه، نال الشيخ حمدان، عليه رحمة الله، العديد من الجوائز، وتم تكريمه في الكثير من المحافل الدولية والإقليمية، فحصل على لقب «الشخصية الحضارية لعام 2016» من قبل الجمعية العربية للحضارة والفنون الإسلامية، وكرمته قمة رئاسة الدول الأفريقية في أديس أبابا عام 2009 لجهوده في دعم التعليم وبرامج الإغاثة الإنسانية في أكثر من 26 دولة أفريقية، كما كرمته منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونسكو» عام 2006 بأرفع وسام لدعمه مشاريع التعليم في الدول النامية.

إن عظيماً بهذه الجوانب كلها، لا يمكن أن يغيب عن ذاكرة الوطن والشعوب. لهذا سيبقى الشيخ حمدان بن راشد، عليه رحمة الله، مقيماً في القلوب حتى لو رحل عن دنيانا الفانية.


* كاتب وإعلامي إماراتي

طباعة Email