لطيفة بنت حمدان؛ شيخةُ دبيّ التي لا تغيب

من بين خمسين حكايةً رائعةَ العرض والمحتوى اشتمل عليها كتاب «قصتي: خمسون قصةً في خمسين عاماً» الذي أبدعه يَراعُ صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، كان لوالدته الجليلة المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان بن زايد آل نهيّان، رحمها الله، الحظّ الأوفر، والنصيبُ الأزهر من عدد المقالات، حيث خصّها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بثلاث مقالات جاءت آيةً من آيات الإبداع الأدبي، والصدق العاطفي، والإحساس الأخلاقي بالقيمة العالية لهذه الوالدة الكبيرة في أخلاقها، الباهرة في شخصيتها، المتواضعة في تصرفاتها، العطوفة على أبنائها، الساعية في عمل الخير لكل مَنْ قصد بابها، ليكتب ذلك كله بلغةٍ بليغة شعرية تفيض بالمحبة والحنين لذلك الوجه الذي أضاء قلبه في طفولته المبكرة، ومنحه من الحب والرعاية والاهتمام ما جعل هذه الذاكرة مشبوبة الحنين لذلك الوجه الذي عبّر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن إحساسه العميق بتفرده وأصالته حين قال بنبرة تجمع بين الفخر والحزن: «مَنْ مثلك يا أمي؟، مَنْ يُشبهك يا أمي؟».

ثمانيةٌ وثلاثون عاماً مرّت على وفاة الشيخة لطيفة بنت حمدان، لكنّ نجلها البار المُحبّ لا يسمح لإيقاع الزمن أن يطوي ذكر هذه السيدة العظيمة، فكتب عنها في سيرته الذاتية أروع ما خطّه قلم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولا أستثني، ومهما كان القارئ متماسكاً، فإنه لا يستطيع أن ينجو من سطوة التأثير العميق الذي مارسه سموه على قارئه في هذه المقالات الثلاث تحديداً، وبشكل خاص القصة الأخيرة التي تستحق أن تكون مدوّنةً بماء الذهب، وتستلهمها الأجيال لتعرف كيف يعبّر الفرسان الكبار عن آلامهم الصادقة وعن مشاعر البرّ النبيلة تجاه هذه السيدة التي سمّاها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم (أُمّ دبيّ) لقباً خالداً لها لا تُبليه الأيام، وها هو يُعيد لنا بعضاً من تلك المشاعر والقيم الرفيعة فيما نشره على حسابه في «تويتر» في يوم الأم قائلاً: «إلى كلّ الأمهات: مَنْ مِثلكُنّ، مَنْ يُشبهكنّ؟ أنتُنّ مصدرُ الحياة، أنتُنّ الحياة، تتقاصر الكلمات عن وصف حجم المحبة والرحمة الذي وضعتموه في هذا الكون، حفظكُنّ الله»، ليستعيد بهذه المناسبة الكبيرة صدى تلك الكلمات النابعة من أعماق قلبه حين كتب عن والدته العظيمة بعض هذه العبارات التي طوّق بها أعناق بنات الوطن في هذه المناسبة، فكانت هذه التدوينة الكريمة تكريماً للمرأة الإماراتية في هذا الوطن المِعطاء، وازداد بهنّ حفاوةً وتكريماً حين خلع عليهنّ بعض الكلمات التي كتبها في حقّ والدته الجليلة، شعوراً من سموه بأنّ بنات هذا الوطن هنّ سلسلة متصلة الحلقات، ينتمين بكل فخر واعتزاز إلى ذلك الجيل الرائع الذي رافق رجال الدولة المؤسسين، وصبر على مرارات الحياة حتى وصلت بلادنا إلى هذه الذروة العالية من التقدم والرفعة والازدهار.

وبإحساس الشعراء ولغتهم الفيّاضة بالصور والتشبيهات يستعيد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد بعض الملامح المتجذرة في الذاكرة والوجدان من طفولته الجميلة تحت كنف تلك الوالدة الجليلة، فيقصّ لنا كيف كانت محبتها لأبنائها، جميع أبنائها، وكيف كانت تخصّ سموه بمزيد محبة وعناية بحيث شعر أنه الأقرب إلى قلبها، لتندفع التدوينة بعد ذلك لذكر لحظات خالدة في قلب الفتى الذي أصبح زعيم الوطن لكنّ ذاكرته لا تزال وفيّة لتلك اللحظات العامرة بالمحبة ورائحة الخبز الذي كانت والدته تعدّه له ولإخوانه رغم وجود الخدم، وتصرّ رحمها الله على عمل الفطور لوالده شيخ دبيّ الكبير المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، الذي ظلّ شديد الوفاء لذكراها الطيبة، ذلكم الفارس الصنديد الذي لم يجد أدنى حرجٍ من الانفجار بالبكاء حين أراد أن يكتب وصيتها رحمها الله، فقد كانت بحسب تعبير صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد «شريكة حياته، وسنده وحبّه، وصديقته ورفيقته، وحبيبته» عاش معها أربعين عاماً، وودّعها بعين دامعةٍ، وظل طيفُها عميقَ الحضور في قلب هذا الفارس النبيل.

وعلى الرغم من انتمائها لبيتٍ عريقٍ في السيادة فهي لطيفة بنت حمدان بن زايد آل نهيّان، وابن عمّها هو شيخ الجزيرة وسيد الوطن وباني نهضته المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، طيب الله ثراه، إلا أنها كانت تعيش حياة غايةً في التواضع، وكانت تعلّم ولدها كيفية العلاج بالأعشاب الطبية التي كانت خبيرة بها، فضلاً عن خبرتها التي لا نظير لها بعالم الخيل والرمي على السلاح بحيث كانت تتفوق على الرجال، لكنّ ذلك كله لم يكن حائلاً بينها وبين الاهتمام بالناس البسطاء والمحتاجين من أبناء إمارتها دبيّ، فقد كانت تستقبلهم من شتى الأمكنة، وترأف بهم وبأطفالهم الذين كانوا يجدون في كنفها كل رعاية وتكريم، وتصف لهم الدواء من الأعشاب لتكون ثمرة هذا الخلق الكريم هو فيض المحبة الذي ظفرت بها هذه السيدة الجليلة من جميع أبناء الإمارات الذين ما زالوا يذكرون جميل صنائعها، ورفيع مكارمها رحمها الله، وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد في ختام التدوينة بهذه العبارة البليغة المؤثرة حين وصف من كرم أخلاقها ما وصف، ثم قال: «كلُّ مَنْ عرفها أحبها، من مثلك يا أمي؟، من يشبهك يا أمي؟» ليلخّص بعد ذلك أعمق مشاعر البنوّة تجاه هذه الوالدة الأصيلة فيقول: «ابتسامتها كانت حياة، وكانت أجمل ما في الحياة».

محظوظة هي الأمّ التي تُنجب فارساً رفيع الأخلاق يحفظ ذكراها، ويُخلّدها نموذجاً يُحتذى من بنات الوطن، ومهما كتبنا في هذا المقام فسيظل الكلام عاجزاً عن وصف عمق المشاعر التي يحتفظ بها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد في وجدانه الصافي لهذه الوالدة التي كانت بحسب عبارة سموه «أطول النخلات، وكانت إذا تمشي يرافقها غزال، وتتبعها عناية الرحمن» رحمها الله بواسع رحمته، وأطال عمر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد في عمل الخير وطاعته، وحفظ الله بنات الوطن وجميع الأمهات في خير وعافية.

 

 

طباعة Email