الاعتراف لا يكفي

اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن المحامي الجزائري الشهيد علي بومنجل قد تعرض للتعذيب والقتل على أيدي الجيش الفرنسي، وأنه لم ينتحر، يمثل خطوة إيجابية في مسار السعي لمعالجة ملف الاستعمار، لكن تبقى الخطوة الحاسمة في عمل الذاكرة البطيء والحساس بين البلدين هي تصحيح فرنسا أخطاء ماضيها الاستعماري بالاعتذار عن الجرائم المرتكبة وتعويض الجزائر.

 ملف الذاكرة التاريخية عاد للواجهة بين الجزائر وفرنسا تزامناً مع قرب إحياء الجزائر عيد النصر، ويمكن الاعتراف بأن ماكرون عكس رؤساء فرنسا السابقين كان جريئاً في كشف حقائق تاريخية بقيت طيّ الكتمان، فهو شاب لم يعايش حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر، ما جعله صريحاً، حيث أكد قبل سنتين «مسؤولية الدولة الفرنسية» عن مقتل مدرس الرياضيات موريس أودان، المساند للثورة الجزائرية، في عام 1957. كما وصف مرحلة الاستعمار للجزائر بكونها «جريمة ضد الإنسانية»، لكن الاعتراف لا يكفي، لأن عدم معرفة العالم الحقيقة الكاملة حول هذه الجرائم البشعة سيحول دون كتابة التاريخ، فباريس تدعو في كل مرة إلى طيّ صفحة الماضي والتوجه نحو المستقبل بعيداً عن خطوات ملموسة بتكريس خطاب رفض التبعات المرتبطة بحقبة الاحتلال، وقد ظهر جلياً من تصريحات ماكرون في شهر يناير رفضه كلياً فكرة الاعتذار.

 ما تعرضت له الجزائر وشعبها طيلة 132 عاماً لم يكن بالأمر الهين، ويستدعي خطوات عملية لمعالجة ملف استعمار وحرب الجزائر، لكن للأسف الرهان على تغيير فرنسا من سياستها بالانفتاح على ملف الذاكرة وإعلان اعتذار صريح عن فترة الاستعمار، رهان خاسر لاسيما أن تقرير المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا حول مصالحة الذاكرة بين فرنسا والجزائر تغاضى عن الإشارة إلى الجرائم المتعددة التي ارتكبتها الدولة الفرنسية إبان الاستعمار، رغم أن الذاكرة الجزائرية مليئة بالشواهد التاريخية عن جرائم الاستعمار الفرنسي، فالجزائر تريد تاريخاً وطنياً متناسقاً ومتسلسلاً، لكن باريس تريد تاريخاً مجزأً، فهناك ملفات لا زالت عالقة في الذاكرة المأساوية لماضي فرنسا الاستعماري هي جزء مكون من الهوية الجزائرية، تعيق الوصول إلى إمكانية إرساء علاقات تاريخية بين البلدين.

طباعة Email