00
إكسبو 2020 دبي اليوم

لا مستقبل بغير كتاب

ت + ت - الحجم الطبيعي

سارعت إلى المشاركة في استطلاع الرأي على موقع صحيفة «البيان». موضوع الاستطلاع هو الكتاب الرقمي في مقابل الكتاب الورقي. والخيارات الثلاثة هي على القارئ العربي: قبول الرقمي بديلاً للورقي، أو الاقتناع بأن الورقي باقٍ، أو الإيمان بأنهما ضروريان معاً. اخترت الخيار الأخير، وسعدت حين ظهرت النتيجة حتى كتابة هذه الكلمات وهي 71 في المئة لمصلحة ضرورة الاثنين، و15 في المئة قالوا بقبول الرقمي بديلاً للورقي، و14 في المئة رأوا أن الورقي باقٍ. وهذه نتيجة مثيرة. غالبية من شاركوا يؤمنون بأهمية إتاحة الشكلين. وهذا يعني سعة الصدر والرؤى. وتساوي الطرفين المرجحين للورقي فقط أو الرقمي فقط، وانخفاض نسبتهما يمثل الواقع كذلك، وأتصور أن ينتمي أغلب المتحيّزين للورقي للفئات الأكبر سنّاً، والثانية للأصغر. بالطبع هناك شباب يميلون للورقي، وكبار لا يمانعون الرقمي، ولكن أغلب الظن أن كليهما أقلية في فئته العمرية.

ولكن واقع الحال يشير إلى عادة القراءة بـ«عافية» في العالم العربي، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. سيل فياض من الدراسات والنسب والأرقام ظلت تمر أمام أعيننا مرور الكرام على مدار سنوات. «العربي يقرأ من 500 إلى 600 دقيقة في الشهر»، «العربي يقرأ ربع صفحة سنوياً».. «كتاب واحد يصدر لكل 12 ألف عربي» والفزعات لا تنتهي.

وفي المقابل، لدينا مؤشر القراءة العربي الصادر عن «مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة» بالتعاون مع «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في عام 2016، والذي يعد الوحيد المعتمد نهجاً علمياً في طرائق الاستقراء، والاستنتاج من دون تسييس أو توجيه للنتائج. هذا المؤشر أخبرنا في عام 2016 أن الوضع ليس بالسوء الذي يبدو عليه. وجاءت خمس دول على رأس الدول الأكثر قراءة، وهي لبنان ومصر والمغرب والإمارات والأردن بالترتيب. ومنحنا المؤشر كذلك نظرة ثاقبة إلى تفضيلات القراءة الورقية، إذ شكلت الكتب والروايات والمجالات المتخصصة والصحف والقصص المصورة اهتمام القارئ بالترتيب، بينما حازت مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية والكتب، ثم المجلات الإلكترونية والمدونات والشبكات المهنية بالترتيب إقبال القارئ في التفضيلات الإلكترونية.

ورغم ذلك، فإن هناك هوّة ما بين المواطن العربي وفكرة القراءة. صحيح أننا أقبلنا بكل ما نملك من قوة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي، والذي مكّن الجميع من أن يدلوا بدلوهم، إلا أنه لا يمكن اعتبار قراءة ومشاركة وحتى كتابة التدوينات والتغريدات ومقاطع الفيديو والصور قراءة بمعناها الثقافي والمعرفي.

جميعنا صال وجال على مدار سنوات، في الأسباب التي تحول دون إقبالنا على القراءة، إقبالاً كذلك الذي نشاهده في دول أوروبية، إذ لا يفارق الكتاب، ورقياً أو إلكترونياً، يد راكب المترو أو الجالس في المتنزه أو الرابض على كنبته في بيته. قلنا إنه سعر الكتاب المطبوع الذي لا يكون عادة في متناول الكثيرين، ولا سيما في الدول متوسطة ومنخفضة الدخل في المنطقة. وتجاهلنا كثيراً الكتب المستعملة المتاحة على الأرصفة ولنا في «سور الأزبكية» وأقرانه في القاهرة وغيره من المدن العربية عبرة. وقلنا إن الكتب متاحة فقط لأهل المدن دون أهل القرى، ولكن ظل أهل المدن أيضاً بعيدين عن الانغماس في القراءة. قالوا إنها ضغوط الحياة ومصاعب المعيشة التي تجعل الشخص «خلقه ضيق» على القراءة. ولكنه «ضيق الخلق» هذا يلتهم المسلسلات التهاماً، ومنها ما يستمر سنوات في حلقات بالمئات. كما ثبت بالحجة والبرهان والبحث قدرة القراءة على بث السعادة والأمل في نفس القارئ.

وتظل القراءة ولماذا يقبل عليها البعض وينأى البعض الآخر بنفسه عنها لغزاً؟ هل يمكن أن تكون هناك شعوب قارئة بالفطرة وأخرى غير قارئة؟ لا أظن. والدليل أن أبناء المهاجرين العرب في بلاد معروف عن أهلها القراءة يقرأون.

مجلة «ذي أتلانتيك» الأمريكية نشرت مقالاً في عام 2019 عنوانه «لماذا يصبح بعض الأشخاص قراءً مدى الحياة؟»، وخلصت فيه إلى أن مسألة الإقبال على القراءة من عدمها تظل لغزاً، ولكن هناك العديد من العوامل التي تؤثر فيها وأبرزها وأهمها طبيعة البيت والأسرة اللذان ينشأ في كنفهما الصغير، وثقافة القراءة التي يغرسها الأهل في هذا البيت.

عربياً، يحتاج الأمر إلى الكثير من الجهد والتغيير. «لا مستقبل بغير كتاب». وهل هناك ما يلخّص وضعية القراءة أكثر من هذه الكلمات لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي؟

معلوم أن تواتر الصراعات والقلاقل في منطقتنا في العقد الأخير يعرقل جهود غرس ثقافة القراءة. ومعلوم أيضاً أن وباء «كوفيد - 19» عرقل وعطل محاولات الإصلاح المعرفي والثقافي العديدة في منطقتنا، ولعل «تحدي القراءة العربي» أهمها. ولكن، تبقى الحقيقة واحدة. «لا مستقبل بغير كتاب»، سواء كان ورقياً أو رقمياً، جديداً أو مستعملاً، في زمن «كورونا» أو بعده.

* كاتبة صحافية مصرية

طباعة Email