العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    قانون الدولة وقوانين الجماعات

    بلغت المهزلة السياسية في تونس، درجة تحوّل معها الوضع إلى مأساة حقيقية، أدخلت المواطن في دوّامة الضياع وفقدان نكهة الحياة، في مجتمع كان يحلو فيه العيش، وكانت حلاوة العيش هذه تُضفي جمالية وتنوّعاً وثراء لتجربة الإنسان التونسي.

    في تونس، أصبح «الحدث» مسيرة من أجل استعراض العضلات نظّمتها «النهضة» الإخوانية الحاكمة، للإيهام بأنّها الأقوى ميدانياً، وهي بذلك تنسى أنّ القويّ لا يحتاج براهين لإثبات قوّته، أو لأنّها كحركة إطلاقية، تفتح على كلّ أشكال الاستبداد القديم والجديد، لا تزال على اعتقادها بأنّ تخويف الناس، هو آلية ناجعة للمحافظة على الحُكْمِ وإدامته، حتّى لو كان خلافاً لرغبة أغلب مكوّنات المجتمع، وضدّ غالبية المواطنين.

    ويتمّ كل هذا وسط ذهول وبهتة وصمت أغلب مكوّنات المجتمع السياسي والحزبي التونسي، وقد كنّا نخال الأمر مقتصراً على تونس، غير أنّ المقارنة مع عديد الدول والمجتمعات الأخرى، تؤكّد أنّ نظام المناعة ضدّ الرّدة الحضارية والمدنية في جلّ هذه الديمقراطيات، على عراقتها، قد ضعف، وهو ما يطرح فعلاً أسئلة كبرى حول الأسباب، وحول مستقبل الفكر الديمقراطي عموماً.

    ويتّجه الرّأي إلى أنّ مسار تطوّر المنظومة الديمقراطية، أفرز ما من شأنه أن يؤدّي إلى تقويضها، لو أُسيء توظيفه واستعماله.

    وقد يكون من المُجدي، استحضار وتذكّر أنّ اكتشاف الذرّة وخصائصها، كان يُفترض له أن يفتح أبواباً جديدة للأمل أمام الإنسانية - وهو بالفعل كذلك - غير أنّ السياسات حوّلت نعمة الاكتشاف إلى نقمة ودمار، هيروشيما وناكازاكي من الأمثلة على ذلك.

    وكما أنّ اكتشاف الذرة انحرف عن مساره الطبيعي، فإنّ دخول النظريات الحقوقية على خطّ الفكر الديمقراطي، نرى أنّه حاد عن أهدافه، وانحرف بها، نتيجة لعوامل عدّة.

    وقد كان الاعتقاد يسود بأنّ الفكر الحقوقي عامّة، ونظريات حقوق الإنسان خاصّة، من العوامل المساهمة في تطوير المنظومة الديمقراطية، وتخليص بعض التيّارات الفكرية والسياسية اليسارية تحديداً من موروثها السلبي، ومن نزعات التطرّف لديها، فتنصهر في فكرٍ وممارسةٍ منفتحيْن على الآخر، وتقطع، بالتالي، مع الموروث الإطلاقي الرافض للتنوّع والتعدّد السياسي والفكري، والذي يقوّض، بلا شكّ، أسس المنظومة الديمقراطية، غير أنّه تبيّن مع مرور الزمن، زيف هذا الاعتقاد.

    وإنّ عملية رصد الممارسات الحقوقية في دولنا، كما في الدول الغربية، التي يعتبرها البعض مرجعاً في المسألة الديمقراطية، تؤكّد أنّ الخطابات الحقوقية، تماماً كممارسات أغلب «الحقوقيين»، تميل إلى الأحادية، وتعميم «الموديل» الواحد، إلى جانب كونها بقيت رهينة عقدة تفوّق النموذج الغربي بكلّ جزئياته، وذلك استناداً إلى اعتقاد زائف بأنّ القاعدة العامّة الواحدة، تطبيقاتها واحدة.

    إنّ هذا الاعتقاد يغفل أنّ أيّ قيمة أو قاعدة أو مبدأ، إن هو «اصطدم» بجغرافيات وحضارات ومجتمعات مختلفة، كانت له تطبيقات متنوعّة، فالقاعدة أو المبدأ أو القيمة، تحمل دوماً عباءة المحيط الذي تتنزّل فيه، وهذا ما لم يتمكّن الفكر الحقوقي الغربي، وبالتبعية الفكر الحقوقي عندنا، من استيعابه.

    إنّ الفكر الحقوقي يشكو، في تقديرنا، من عاهة مستديمة، وهي الدغمائية، وعدم القدرة على الأخذ بالجزئيات والخصوصيات، وعمّق من عزلته في مجتمعاتنا، وجعل منه «بضاعة» نخبوية، سَهُلَ لاحقاً استيعابها واستقطابها وتوظيفها من طرف سلطتي السياسة والمال، بما قاد إلى مزيد التطرّف، وبما هدّد ويهدّد في العمق مستقبل الديمقراطية والأنظمة الديمقراطية وغيرها، فَقَدْ كان الأداة الرئيسة لإسقاط الأنظمة السياسية عندنا، وهو سيكون الأداة الرئيسة لزوال قيم الجمهورية والمدنية عندهم في الدول الغربية، لأنّ جوهر الفكر الحقوقي، هو قدسية الفرد والأقلّيات بكلّ تفريعاتها، في حين أنّ استمرار الدول والمجتمعات، يمرّ حتماً عبر المحافظة على العقد الاجتماعي الرابط بين مكوّنات المجتمع، ما يعني، بالضرورة، تنسيب الفكر الحقوقي، واعتبار أنّ الحقوق المشتركة تعلو ولا يُعلى عليها، وأنّ قانون الدول، هو فوق قوانين المجموعات.

    إنّ تجارب الدول الغربية، تؤكّد أنّ عدم تنسيب الفكر والممارسة الحقوقية، أضعف، في آخر المطاف، سلطة الدول، ووضع القوانين المشتركة في مراتب دونية، كما أنّ تجارب دولنا أكّدت، هي الأخرى، أننا خسرنا حقوق الأفراد، ونمشي بخطى ثابتة نحو خسارة الدول.

    وإنّه من نوافل القول، التأكيد على أنّ التطرّف وحده استطاع توظيف الفكر الحقوقي لمخطّطاته الجهنّمية، الهادفة إلى تقويض الدول والمجتمعات.

    ولا ينبغي أن يفهم هذا التمشّي على أنّه ضوء أخضر لتكريس وتشجيع الفكر والممارسة الاستبدادية، قَدْرَ ما هو محاولة لفسح الطريق أمام الفكر الإصلاحي، حتّى يترسّخ في المجتمعات المغلقة، ويُعطي فرصة للأنظمة التي تميل إلى الانغلاق، كَيْ تراجع سياساتها، ويوصد الأبواب أمام طوابير أصحاب الفكر الانتهازي، الذين سمّموا عالم النّخب الفكرية والسياسية، وعصفوا بالمشهد الحزبي والسياسي، وهو، إلى جانب ذلك، يسلّح المجتمعات ضدّ التطرّف والمتطرّفين.

    وبالعودة إلى تونس، يتّضح لنا أنّ بعض الجماعات تنزع إلى تقويض قوانين الدولة، حتّى وإن كانت تتحكّم فيها، إنّ ما بالطّبع لا يتغيّر.

    طباعة Email