خيبة أمل في مرضى الربيع

قد يقع الإنسان في الخطأ لأسباب كثيرة، ولكن العاقل لا يتمادى في خطئه، بل يرجع ويصحّح مساره، وخاصة مع مرور الأيام من خلال وقوفه على الأحداث وعواقب الأمور، فإنه يعتبر ويتّعظ، ويبصر بعين الحقيقة مغبَّة الطريق الذي سلكه، وما يؤدّي إليه من دمار وصراع وشقاق، كما حدث في بعض المجتمعات.

هذا ما كنا نأمله ممن فتنوا بأحداث ما سمّي بالربيع العربي عام 2011، فوقعوا في شراك التآمر على وطنهم، وخيانة قادتهم ومجتمعهم، فلربما بقي فيهم ذرة ضمير يؤنّبهم، وبقية نفس تلومهم، فيرجعون إلى حضن وطنهم نادمين، فيتشرّفون بالدفاع عنه بدلاً من أن يستمروا خناجر مسمومة في ظهره، وخاصة لمّا أبصروا الأمور، ورأوا العواقب السلبية للتهييج والإثارة والتحريض، والتي جلبت على الدول الدمار والفوضى والتشريد، وإضعاف الاقتصاد، وإشعال الصراعات، وخلق دوامة من التنازع.

ولكن وللأسف خاب هذا الأمل في مرضى الربيع، الخائنين لوطنهم، وثبت لكل عاقل أنه ما بقي لدى هؤلاء ذرة عقل ولا بقية ضمير، وأنهم قد شربوا كؤوس التآمر حتى الثمالة، فما عادوا يعقلون، وما عاد الجدال معهم يجدي شيئاً، بل هو تضييع للوقت، وإشباع لشهوتهم في الثرثرة والتحريض، كيف لا وهم يقيسون الأمور بموازين الخيانة والتآمر، فتصوراتهم مقلوبة، وأحكامهم منكوسة، وعقولهم منغلقة.

وقد رأيناهم الآن يطلّون برؤوسهم عبر بعض التطبيقات الحديثة، ويُظهرون أساليب متنوعة للعودة من جديد إلى التحريض والفوضى التي كانوا يمارسونها، مغترين ببعض التغيّرات العالمية، متجاهلين أن ذلك لا ينفعهم، وأن أوراقهم محترقة أمام الجميع.

إن هذا الواقع المرير لهؤلاء يكشف عن تشبّعهم بالأفكار التي غذَّتهم بها التنظيمات التي ينتمون إليها، والمحاضن الحزبية التي تربوا فيها، والتي تعلموا فيها أن الولاء للمرشد، وأن الانتماء للتنظيم، وأن إسقاط الأنظمة طريق النضال والتحرير! كما تربّوا على الطعن في المجتمع، تارة بالتكفير، وتارة بالتضليل والتفسيق، وتارة باتهامه بالجبن والخوف، وهذا ما يكررونه اليوم في لقاءاتهم، فالحكام عندهم فاسدون، والمجتمع عندهم حفنة من الجبناء، وأما الأبطال والمناضلون فإنهم هم، كما يظنون!

إن هذه العقليات الاستعلائية التي تمارس الوصاية على المجتمعات، وتتهمها بالجبن والخوف والعمالة، وتشوه الأوطان والمجتمعات، لهي عقليات مريضة، وهم يعيشون في عالمهم الظلامي الخاص، فلا المجتمعات تقبلهم، وهم يتهمونها بالجبن والخوف، ولا الأوطان تمد لهم يدها وهم يشوّهونها ويحرضون ضدها.

ومن ألاعيب هؤلاء تغنّيهم بحقوق الإنسان، واستخدام ذلك ورقة للتحريض ونسج الأكاذيب حول الدول والأوطان، مع أنهم أبعد الناس عن القيم الإنسانية، فكم حرّضت هذه التنظيمات على سفك الدماء وإزهاق الأرواح، في استهانة خطيرة بحقوق الإنسان، في سبيل تحقيق مآربهم السياسية، حتى تسببوا في إشعال الحروب والصراعات، وها هي التسجيلات الموثّقة تدينهم، وتكشف خفايا اجتماعاتهم السرية، التي كانوا يخططون فيها للتمرّد والعصيان وضرب القوانين والخروج على النظام، مستهينين أينما استهانة بالأرواح، فهل هذه الجنايات من حقوق الإنسان؟!

ومن ألاعيبهم تغنيهم بالحريات، وهم أبعد الناس عن ذلك، فهم يمارسون الإرهاب الفكري ضد كل من يخالفهم، وضد المجتمعات التي تمجدهم وتمجد أفكارهم، فإذا ما وجدوا مجتمعاً متكاتفاً مع قيادته وصموه بالجبن والخوف، وشوهوه على المنابر الإعلامية المختلفة، وعدّوا تلاحمه الوطني مع قيادته دليلاً على جبنه، كأن الحرية عندهم ليس إلا في العنف والتحريض والفوضى، وأنه ليس من حق الشعوب ومن حرياتهم الصميمة أن يتآزروا مع قيادتهم، ويكنوا لهم المحبة والولاء! فهل هؤلاء دعاة حرية كما يزعمون؟!

إن هؤلاء إنما يضرون أنفسهم عندما يتمادون في تآمرهم وخيانتهم، ويكشفون تناقضهم وازدواجية معاييرهم، بل يقول بعضهم: نعم! نعيش في رخاء، ولكن الأهم أطماعنا السياسية! ونقول لهم جميعاً: متى تعقلون؟! متى يستيقظ ضميركم، لتحافظوا على بلدكم وأسركم ومجتمعكم، وتدركوا أن الطريق الذي أنتم فيه دمار لكم؟!

أين أنتم من قيم الإسلام التي تأمر بالوحدة والاجتماع، ونبذ الفرقة والشقاق إن كنتم تتشدقون بتعاليم الإسلام؟! أين أنتم من صوت العقل الذي يدعوكم للمحافظة على وطنكم وترك طريق الشر والإفساد؟ أين أنتم من نداء ضميركم الذي يؤنبكم ويدعوكم لترك الخيانة والتآمر؟! لقد خاب أمل مجتمعكم فيكم إن كنتم تعقلون!

* رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات