بين الخيمة الشمالية والخلوة عزيمةٌ واستشراف

قبل ثلاثة وخمسين عاماً، وتحديداً في الثامن عشر من فبراير من عام 1968، وفي قلب الصحراء، كان صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مسؤولاً عن تأمين ظروفٍ مناسبة لعقد لقاء بين الشيخين الكبيرين، المغفور لهما، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، بتكليفٍ مباشر من والده، الشيخ راشد، الذي استدعاه على عجلٍ من إنجلترا.

وكلّفه بهذه المهمة الاستثنائية، التي ستشهد الحدث الأعظم في تاريخ البلاد، ولقد قصّ صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبيّ، رعاه الله، التفاصيل الرائعة لهذا اللقاء، في سيرته الذاتية المُلهمة (قصتي: 50 قصةً في خمسين عاما)، وعقد فصلاً مكتوباً بمِدادِ القلب، سمّاه «الخيمة الشمالية».

حيث كان هناك اللقاء الأول بين المؤسسين، رحمهما الله، وهناك طلع نجم الاتفاق على تشكيل الاتحاد، وتمّ الاتفاق على كلّ شيءٍ مما فيه مصلحة الاتحاد، إلا على شيء واحد، حين رفض كلٌّ من الشيخين الكبيرين، أن يتولى الرئاسة، مؤْثِراً بها عضيده وشريكه في هذا الحلم الكبير، وبعد لأْيٍ وجُهدٍ قبِل الشيخ زايد أن يكون رئيساً للاتحاد، بمباركة كاملة من الشيخ راشد بن سعيد، رحمهما الله، ومن الخيمة الشمالية، التي نصبها صاحب السموّ بو راشد.

كانت انطلاقة الدولة، وكانت مسيرتها المظفّرة، التي يعتزّ بها كلّ مَنْ عاش على هذا التراب الحبيب، وها هو بو راشد، حفظه الله، وأطال عمره في خير وعافية، ما زال مُحتدمَ القلب بحبّ الوطن، والسعي في مصالحه، فكما حكى لنا سيرة النشأة، ها هو يعلن بنبرته الواثقة وثقته الراسخة، أنّ هناك خلوةً سمّاها «خلوة الخمسين»، ستكون هي فاتحة المرحلة القادمة، وقبل الشروع في قراءة هذا الحدث الثمين، ومدى دلالته على حيوية الدولة، وتصميمها على المُضيّ قُدُماً في التحديث والتطوير، وارتياد الآفاق الجديدة للحياة، لا بدّ من التوقف مع كلمة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي أسعد أشعبه بهذه البشارة قائلاً:

«أترأس غداً، وأخي الشيخ محمد بن زايد، خلوة وزارية، نناقش خلالها أولويات الدولة للخمسين عاماً القادمة: شكل حكومتنا، وكيفية تسريع مسيرتنا التنموية، وتحسين بيئة الأعمال والاقتصاد في بلادنا، لتحقيق قفزات تنافسية جديدة. المستقبل ملكٌ لمن يتخيّله ويُصمّمه وينفذّه»، لتذكّرنا هذه العبارة المقتصدة، بتلكم العبارة التي افتتح بها فصل «الخيمة الشمالية»، حين قال: «لكل شيءٍ بداية، وسُنّة الحياة أن يكون له نهاية، إلا الأحلام العظيمة، لها بدايةٌ، ولكنك لا ترى نهايتها، لأنها تكون أبقى منك إذا أخلصتَ لها، وتُعمّر عمراً طويلاً أطول منك، إذا أعطيتَها كلّك»، لتظل فكرة الحلم الذي يتحدّى المستحيل، هي بؤرة الفكر والإرادة عند رجال هذه الدولة، مهما تبدلت الأجيال والأحوال.

عناية

من جهة أخرى، وبعناية فائقة، وذكاءٍ باهر، تمّ الإعلان عن خلوة الخمسين، ضمن مادة إعلامية تمّ تصميمها بغاية الذكاء والروعة والجاذبية، مادة تجمع ببراعة بين الماضي والحاضر، بين الصورة والظل، بين الناقة والطائرة، وتحكي قصة الإمارات، عبر مسيرتها الحضارية في بناء الذات، وتقديم النموذج المتميّز في قصة بناء الدولة، وتعمير ربوع الوطن بالعلم والذكاء والمثابرة، التي تقترب من حدود المغامرة، بحيث أصبحت الإمارات قصة نجاح يعترف بها الجميع.

ونموذجَ تقدّمٍ يحظى باحترام الجميع، ضمن مسيرة راشدة، يستلهم فيها اللاحقون نظرات السابقين من جيل البُناة المؤسسين، الذين استلهموا فكرة الاتحاد، وأرادوا لهذا الوطن أن يكون جديراً بالاتحاد، وبناء الدولة القوية في جميع مسارات الحياة، فالإمارات لا تعتمد على مصدر واحد في دخلها القومي، بل تعتمد سياسة تنويع المصادر، واقتراح البدائل، بحيث تظل الدولة تشعر بالمرونة والحيوية، وعدم الخضوع لمنطق المصدر الواحد في إدامة الحياة.

رسالة

وحين نتفحّص جوهر هذه الرسالة المفعمة بالثقة، نجدها تقوم على الربط المتبصّر بين لحظة الانطلاق، وبين الأفق القادم، فبعد انقضاء خمسين عاماً من عمر الدولة، اختارت القيادة أن تجدد شباب الوطن وحيويته، بالإعلان عن مبادرة ضخمة، تعزّز المسيرة، وتستلهم الماضي، وتطمح إلى المستقبل الزاهر، ضمن منظور واضح، يحدد نقطة الانطلاق على مستوى الزمن، ويترك الأفق مفتوحاً على مستوى الإنجاز، وقد تمّ توزيع المحتوى الإعلاني بطريقة في غاية الذكاء والروعة، حيث اشتملت المادة على جوهر الرؤية القادمة، حدّدت عام 2021 م، عام انطلاقة كبرى نحو حياة جديدة، من خلال خلوة سيتمّ عقدها (اليوم وغداً)، مع الحرص على التكلم بضمير الجمع، الدال على روح الاتحاد وتماسك الدولة، ومعلوم أنّ اللغة هي التي تعبّر عن الفكر.

ولذلك، جاءت لغة الإعلان عن الخلوة، مُشبعةً بروح التعاون والتفاؤل والإصرار والعزيمة والوضوح: (عام 2021 سيكون عام الانطلاقة الكبرى، نحتفي بخمسين عاماً مضت، ونطلق مسيرة الخمسين القادمة)، ثم تفصح عن تفاصيل الرؤى القادمة، بلغة جازمة واثقة، تبعث في النفس الطمأنينة وانشراح الصدر (نريد تطوير هياكلنا، خططنا، مشاريعنا، تفكيرنا، وتطوير نموذجنا بالكامل مع بداية 2021).

لمحة

وبلمحة خاطفة، تعود بنا الذاكرة إلى صورة الآباء المؤسسين، مع اقتران هذه اللحظة بصورة الإبل، التي كانت هي عصب الحياة بكل تفاصيلها، ليقول الإعلان «صمّم الآباء المؤسسون حياتنا اليوم، نريد تصميم الخمسين القادمة، نريد تحقيق قفزات في التعليم، الصحة، الاقتصاد، البنية التحتية، الإعلام، النقل)، بمعنى آخر: نريد تصميم حياةٍ جديدة، تتواصل مع الماضي، بروحه القوية وعزيمته المتوثبة، وتقطع علاقتها بالروتين والكسل والاعتماد على الآخرين، لتظل الإمارات بلد المستقبل المفتوح على الأفق اللانهائي، فهذا البلد، قد قطع شوطاً طويلاً في الإنجاز، تعلّم منه أنه لا مستحيل في هذه الحياة أمام الإرادة الإنسانية الصبورة المثابرة، التي تزداد قوة، كلما عظمت التحديات.

وتأكيداً على مشروعية هذه الأحلام، وقابليتها للتحقق، تؤكد القيادة أنّ الهدف هو نقل قصة الإبداع الإماراتي للعالم، لتعود نبرة الصوت الجمعي إلى الإعلان، حين يُختم بهذه العبارة القوية الحاسمة: «نريد بناء المستقبل كفريق، بروح الاتحاد، بروح زايد، بروح تعشق القمم، فريقنا واحد، ومستقبلنا واعد»، لتكون هذه الجملة، هي ختام هذه البشارة، التي تمّ فيها الإعلان عن خلوة الخمسين، كخطوة تؤسس لمنظور جديد للحياة في هذا الوطن، الذي نشأ على الالتزام الصادق بقيمة العمل، وفلسفة التقدم، وضرورة المبادرة نحو حياة متجددة، تبعث الطاقات، وتحرر الإنسان من الكسل والخمول والرضا بالمنزلة التي لا تليق به، لتظل الإمارات وطن الخير والمحبة والأصالة والسلام.ِ

 

طباعة Email