الصغار لن يوقفوا اللعب

بدا الأمر في البداية وكأنه مجرد مزحة، أو لعلها تجربة لمعرفة قوة مجتمعات الإنترنت، لكن تعليقات الكثيرين من الأشخاص على منصة «Reddit» قالت إنها كانت نوعاً من الانتقام من الشركات الكبرى التي ينظر إليها على أنها كانت وراء الانهيار المالي، الذي شهده العالم عام 2008. لهذا علّق عليها المحلل الاقتصادي في BBC نيل ويلسون قائلاً: «إنه صراع بين الأجيال، وإعادة التوزيع، وكل ما له علاقة بسرقة الأغنياء لمنح الثروة لجيل الألفية الفقير». وتابع: «لقد بدوا مصممين تماماً على مواجهة «وول ستريت»، وبدا أنهم يكرهون الصناديق المشتركة، وكانت المناقشات مليئة بالإهانات بشأن أموال الطفرة».

إنها حكاية «GameStop» التي شغلت العالم، واستحوذت على حوارات منصات التواصل الاجتماعي. فما هو أصل الحكاية، وكيف احتدمت المعركة بين جيل الألفية الفقير وأباطرة «وول ستريت» الكبار؟

لن نتناول الموضوع من جانبه الاقتصادي؛ لأن هذا ليس من اختصاصنا، وإنما هو من اختصاص أهل الاقتصاد الذين يقول أحد دارسيه الشباب حديثي التخرّج، إن دراسته لم تعد ضرورية في ظل ما حدث لسهم شركة الألعاب «GameStop»، وكيف تلاعب مراهقون شباب بأسهم «وول ستريت» لمجرد التحدي أو الانتقام من الشركات الكبرى. ولكن إلى متى سيستمر هذا التحدي، ومن سيُخضع الآخر في النهاية؟ هذا هو السؤال الذي سيجيب عنه المحللون الاقتصاديون، أما نحن فسنطفو فوق السطح لنستخلص من الموضوع ما يهمنا، وإن كان ما حدث يتطلب شرحاً مبسّطاً. مثل غيرها من الشركات عانت سلسلة متاجر شركة «GameStop» الأمريكية، التي تبيع ألعاب الفيديو ووحدات التحكّم وغيرها من المنتجات الإلكترونية، عانت من الركود بسبب جائحة فيروس «كورونا» المستجد، وعزوف أغلب الناس عن التسوّق الميداني بسبب الوباء، ولجوئهم إلى شراء ألعاب الفيديو عبر الإنترنت. ولكن ما علاقة منصة «Reddit» بالموضوع؟

في منصة «Reddit» غرفة تسمى «Wall Street bets» وترجمتها «مراهنات وول ستريت». في هذه الغرفة أكثر من 4 ملايين عضو، يدور حديثهم عن الأسهم، وأفضل الطرق لاستثمارها، وفي أي الشركات يستثمرونها. وكانت شركة «GameStop» واحدة من الشركات التي راهن العديد من المضاربين في أسواق الأسهم وصناديق الاستثمار على فقدها للكثير من قيمتها، لأنها لن تحقق أداءً جيداً في المستقبل. لهذا أقدموا على شراء سهمها لاستغلاله في عمليات «البيع على المكشوف» التي تقوم على اقتراض أسهم ثم بيعها تحسّباً لانخفاض أسعارها بغية إعادة شرائها لاحقاً بقيمة أقل وتحقيق ربح كبير. لكن ما حدث هو أن عدداً كبيراً من أعضاء منتدى «رهانات وول ستريت» في «Reddit» قاموا بتبادل النصائح واشتروا أسهم «GameStop». وهنا ارتفع سعر السهم بشكل جنوني، وكان على كل من وضع أمواله اعتقاداً منه أن السهم سينخفض إعادة شراء الأسهم التي اقترضها، ولكن بسعر أعلى مما كان متوقّعاً، وبهذا خسر كبار المضاربين أموالهم. وتدخّل رئيس «تسلا» إيلون ماسك بتغريدة في حسابه على «تويتر»، كتب فيها «Gamestonk» جامعا بين كلمة «GameStop» التي هي اسم الشركة، وكلمة «Stonk» التي تستخدم للإشارة إلى قرار مالي يحقق أرباحاً، فكان لتغريدته فعل السحر في رفع سهر السهم.

نخرج مرة أخرى من موضوع حسابات الربح والخسارة، الذي هو ليس من اختصاصنا، لنعود من جديد إلى الموضوع الذي يهمنا، وهو تأثير مجموعة من المراهقين، تجمعهم غرفة في شبكة تواصل اجتماعي، على واحد من أكبر أسواق المال في العالم، هو سوق «وول ستريت» المعروف، وقدرتهم على التحكّم في رفع سعر سهم كان كبار المحللين الاقتصاديين يتوقعون له الهبوط، ورفع قيمته إلى سعر خيالي لا يحلم به أصحاب الشركة أنفسهم.

يعلق جيمي روغوزينسكي، الذي أنشأ المنتدى عام 2012 قبل أن يبتعد عنه لاحقاً، فيقول إنّ المراهنين نجحوا في فعل ما لم تفعله حركة «احتلوا وول ستريت» ولكن بطريقة مختلفة جذرياً. ويوضح أنّ حركة «احتلوا وول ستريت» كانت تحتج إزاء واقع أن الصغار لا يستطيعون المشاركة في البورصة، والآن وجد الصغار سبيلاً لتجاوز النظام من الداخل.

ما حدث أطلق عليه البعض انتفاضة «الصغار» في وجه أباطرة «وول ستريت». بينما سماه البعض «رواية هولي وودية» جديدة تصدّرها أمريكا للعالم. ولكن أياً ما كانت نهاية هذه الرواية فهي تأتي في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها البشرية، حيث يبدو أن الصغار لن يوقفوا اللعب مع الكبار.

* كاتب وإعلامي إماراتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات