«يوتوبيا» العالم الرقمي!

يشير معنى «يوتوبيا» إلى اللامكان، أو المكان الخيالي المثالي؛ وهي كلمة استخدمها كثير من الحكماء والفلاسفة كوصف لتصوراتهم عن العالم الذي يحلمون به، أو العالم الذي يرون أنه ينبغي أن يكون لأنه – في نظرهم – العالم المثالي الذي يجب على المجتمع البشري أن يواصل كماله ورقيه لكي يصل إليه؛ وعلى مر التاريخ.

ظهرت الكثير من تلك التصورات أهمها كتاب «جمهورية أفلاطون»، ثم كتاب أرسطو «السياسة»، وكتاب الفارابي «آراء أهل المدينة الفاضلة»، وكتاب «مدينة الله» للقديس أوغسطين، ثم كتاب «الفردوس المفقود» لجون ميلتون، ثم «مدينة الشمس» لكلامبا نيللا، و«اليوتوبيا» للإنجليزي توماس مور.

وأهمية هذه المؤلفات ليست في أنها تعد أعمالاً أدبية فحسب، كما قد يتصور البعض، بل لأنها حوت رؤى فلسفية واجتماعية وسياسية واقتصادية، خاصة بكاتبها تدور في فلك ما يجدر بالمجتمع المثالي أن يكونه، وكذلك نظامه وحكومته وطريقة حياته بالتفصيل، عدا ذلك، رؤية الكاتب الفنية والأخلاقية والسياسية والنظام الاجتماعي والاقتصادي والعادات والتقاليد وسائر أنشطة الحياة الاجتماعية. ورغم ذلك فقد تعذر على كل تلك اليوتيوبيات أن تتحقق، بل واستحال ذلك تماماً على الأقل في تلك الأثناء.

اليوم في العالم الرقمي، نلاحظ انبعاثات لبعض تلك الرؤى الفلسفية والمفاهيم اليوتوبية لذلك المعشر من الفلاسفة تبرز على السطح، وفي حالة صراع مع مفاهيم الشر وقيمه، والمثير أن كل ذلك يحدث بغطاء اقتصادي بحت. 

ولعل الأمر بحاجة إلى إيضاح أكبر، فالملامح اليوتوبية في العالم الرقمي تتجلى في تلك الممارسات والمبادرات والأنشطة في كل المجالات، والتي غايتها الارتقاء بالمجتمع، سواء كانت ممارسات على الصعيد العلمي أو على الصعيد الإنساني أو على الصعيد الأخلاقي، من خلال نشر المساهمات التي تفيد المجتمع وترتقي به.

وكذلك في عمليات التكريم الافتراضية للشخصيات المؤثرة والمبدعة في المجتمع، وكذلك في محاولات نشر الطمأنينة من خلال الترويج لثقافة المحبة والتسامح والسلام بين الناس، و..و..و.. إلى آخره، مما نلمسه يومياً في هذا العالم الرقمي؛ وبالمقابل لا بد من توضيح أن الغطاء الذي تتم من خلاله كل هذه الممارسات والمبادرات والأنشطة هو غطاء اقتصادي وتجاري.

حيث إن الأدوات والوسائل والأوعية التي تتم من خلالها تلك الممارسات الهادفة للرقي بالمجتمعات علماً وخلقاً، هي أدوات ووسائل تجارية، تُستغل مجانية استخدامها والتي لاقت قبولاً واسعاً في الأوساط الاجتماعية، ولها حظوة جماهيرية، لتمارس بالمقابل استثماراتها الاقتصادية القائمة على الإعلانات للشركات والمؤسسات بكل أنواعها وأشكالها وأحجامها، وتعمل على الترويج لمنتجاتها من خلال هذه الأدوات والوسائل الرقمية، فيصبح رواج القيم التي نادت بها «اليوتوبيا» وازدهارها مشروطاً بهذه الاقتصاديات، ووجود هذه الأدوات والوسائل الرقمية بكل أنواعها.

إن فعالية العالم الرقمي ليست سوى انعكاس للواقع والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفيها يختلط المدنس بالطاهر، والبريء بالمجرم، والطيب بالخبيث، والخير بالشر، وبقدر ما يملكه الأفراد من المرونة بقدر ما يمكن أن يحققوه من نجاحات في هذه الفعالية.

وبقدر ما تلغي فعالية العالم الرقمي التراتبية في المجتمع والمركزيات والحواجز التي كانت تتميز بها الحياة الاجتماعية الواقعية، بقدر ما تؤثث لمجتمع خالٍ من الأمراض الطبقية التي سادت كثيراً في العصور الماضية، لا يختلف هذا المجتمع عن تصورات مجتمع اليوتوبيا، التي ظهرت قديماً والتي لم يتم بلوغ معرفتها سوى بالمعنى فقط. وللحديث بقية.

* خبيرة اقتصاد معرفي

 
طباعة Email