تقدير الذات والثقة بالنفس

تقول نجمة البرامج الحوارية أوبرا وينفري، إنها قابلت آلاف الأشخاص في برامجها التي امتدت لنحو 25 عاماً، وكان أكثر شيء مشترك بين الناس هو محاولة تأكدهم من أنهم قد حظوا «بتقدير» الآخرين لهم. تقول إنها قابلت مجرماً سفك دماء أكثر من شخص، لكنه أيضاً كان ينتظر رأي أوبرا بعد اللقاء لمعرفة ما إذا كان قد أبلى بلاء حسناً من عدمه. وكان هذا المطلب يتردد دوماً من قبل معظم ضيوفها ومشاهداتها في الحياة.

وتقول أوبرا، إنها ألقت ذات مرة مفاتيح «شريك حياتها» في المرحاض لتمنعه من أن يهجرها، حيث «كنت أعتقد أنني لا أساوي شيئاً من دونه» حسبما ذكرت في كتابها «الشيء الذي أعرفه على وجه اليقين».

قبل أيام سألت الشاعرة سعدية المفرح من الكويت في تغريدتها عبر «تويتر»: «ما مفتاح القلوب الموصدة؟» فأجبتها من دون تردد: «التقدير». وبالفعل فالناس ما أن تبدي لها شعوراً ما متعلق بتقديرك لجهودهم، أو مساهماتهم، أو أدائهم بصورة عامة، حتى تجد الأعناق تشرئب نحوك. فمن لا يحب سماع كلمة تقدير!

غير أن ما نقصده على وجه التحديد في هذا المقال هو أمر مختلف، وهو أهمية «تقدير الذات» self-esteem وليس انتظار تعطف الآخرين علينا. فماذا سيصنع المرء إذا لم يسمع كلمة تقدير، هل يغضب، أم يعنف، أم يناصب الآخرون العداء؟ بالتأكيد لا. لذلك كان من المهم الفصل بين مفهومين يخلط بينهما كثير من الناس: وهي مسألة تقدير الذات والثقة بالنفس. فتقدير الذات هو أمر ثابت يجب ألّا يقل مقداره في نفس المرء، في حين أن الثقة بالنفس مسألة نسبية لأنها مرتبطة بأنشطتنا الحياتية ونجاحاتنا وإخفاقاتنا.

فمن لديه لغة ثانية قوية تكون ثقته في أوجها حينما يحاور أصحابها في ديارهم، لكنهم ما أن يهجرها لعقود حتى تضمر لغته، وتنخفض معها ثقته بنفسه في هذا الإطار. والثقة بالنفس مرتبطة بمهاراتنا، فكلما زادت مهارات الإنسان ونجاحاته الصغيرة هنا وهناك، ارتفع منسوب ثقته بنفسه.

وعليه فإن التفرّس في وجوه من حولنا بحثاً عن نظرة «تقدير ذاتي» هو أمر يجب أن يتوقف. فهناك فارق بين سماع كلمة تقدير appreciation وبين تقديرنا لذاتنا self-esteem. وما أكثر من يحطم نفسه ويكرهها لأنه لم يكمل مشروعاً ما على الوجه الأكمل، أو لم يحقق أهدافاً حياتية يومية أو شهرية على النحو المأمول. ولهذا نجد أن أكثر الناس تألماً في الحياة أولئك الذين يعاقبون أنفسهم بصب جام غضبهم على أنفسهم لأنهم لم يحققوا أمراً ما.

وهذا نابع من ظاهرة المبالغة في جلد الذات في مجتمعاتنا. إذ ينشأ الناس على فكرة الكمالية perfectionism وكأن المرء ملائكي لا يخطئ أبداً. فتجده يغضب أشد الغضب أو لا يعترف أصلاً بالخطأ خشية من «سياط الكمالية» التي تتربص به.

ولهذا لن أتعجب عندما أشاهد شخصاً أو مديراً «يتعمّد» أن يقبل قصوراً ما في عمله أو من فريقه في سبيل الحصول على سرعة الإنجاز، وعدم الوقوع في براثن «الكمال الزائف». والله تعالى خلق الإنسان، وهو يعلم بأنه سوف يقصر بأدائه كما في الحديث «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لو لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لهم». إذا كانت هذه علاقة المرء بربه، فما بالنا بسائر شؤون حياته. والتخلص من عقد الكمال يخفف أيضاً من وطأة اهتزاز الثقة بالنفس.

إذن نستطيع القول، إن الثقة بالنفس متغيرة بتغير تجاربنا ونجاحاتنا وإخفاقاتنا، ويجب ألّا نقسوا على أنفسنا لأن التقصير والعثرات سنّة الحياة، في حين أن تقدير الذات أمر مستمر وينبع من شعور المرء بقيمته وعطائه وكفاءته بغض النظر عن رأي الناس فيه. ولهذا يرى روبرت ريزونر كأحد المتخصصين في تقدير الذات، أن من عناصر تكوين تقدير الذات، الشعور بالهدف.

والأمان، والانتماء، والكفاية الشخصية. ولهذا فإن «تقبل الذات كما هي» هو منطلق أساسي يستند إليه المرء في تقديره لذاته الذي يجب ألّا يهتز من حفنة كلمات استهزائية أو استعلائية، لأن التقدير الذاتي راسخ رسوخ الجبال الشاهقة في ذواتنا البشرية.

* كاتب كويتي

طباعة Email